فائز بن سلمان الحمدي
حين تقبل مواسم الحج مضرجة بأنوار الطاعة، وتنساب أفواج المؤمنين من أقاصي الأرض كما تنساب الأنهار إلى مصابها، متجردة من فوارق الدنيا وأثقالها، ومتوشحة بنداء التلبية الخالد: «لبيك اللهم لبيك»؛ تنهض المملكة العربية السعودية في مشهد يجل عن الوصف، ويضيق البيان عن احتواء هيبته، فتغدو لا مجرد وطن تضمه الخرائط، بل معنى سامقًا من معاني الاصطفاء الإلهي، ومهوى للأفئدة التي أضناها الشوق حتى انتهت إلى البيت العتيق، ومسرى لرحمة تتنزل على الأرض من علياء السماء. هنا تتوارى الحدود الجغرافية، وتتضاءل الأوصاف السياسية، فلا يبقى في الوجدان إلا حقيقة كبرى: أن هذه البلاد قد شرفها الله بحمل أقدس رسالة عرفها الزمان بعد مهبط الوحي؛ رسالة القيام على الحرمين الشريفين، وخدمة وفود الرحمن القادمين إليه من كل فج عميق.
لم يكن هذا المجد المتدفق الذي تشهده المشاعر المقدسة وليد لحظة عابرة، ولا أثر إدارة موسمية محدودة، بل هو امتداد لعقيدة دولة كُتب في ضميرها منذ فجر تأسيسها أن أعظم ما تتقلده ليس سطوة السلطان، ولا أبهة الملك، وإنما شرف الخدمة حين تبذل لله، وحراسة المقدسات حين تصان بقلوب تعرف قدر الأمانة قبل أن تعرف معنى السلطة. فمنذ أن أرسى الملك عبدالعزيز آل سعود دعائم هذا الكيان على راية التوحيد، والمملكة تمضي على سنة من الوفاء المهيب، ترى في الحرمين قلب رسالتها، وفي الحجيج أمانة استودعها الله أعناقها، فغدت خدمة المشاعر عندها عبادة دولة، لا سياسة إدارة، وعهد إيمان، لا مظهر مجد. ثم تعاقب ملوك هذه البلاد يحملون ذلك اللواء كما يحمل النور في الليالي الحالكات؛ يزداد مع الزمن رسوخًا وجلالًا، حتى غدا لقب «خادم الحرمين الشريفين» تاجًا من التكليف المهيب، تتضاءل عند عظمة معناه تيجان الأرض جميعًا؛ لأنه لقب لا يستمد من سطوة الحكم، بل من الانكسار لله، ومن التشرف بالقيام على أقدس بقاع الدنيا، وأعظمها حضورًا في ضمير الأمة ووجدانها.
وفي هذا العهد الوضاء، يقف الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود على ثغر من أعظم ثغور الإسلام، بروح قائد خبر التاريخ، وأدرك أن خدمة الحرمين ليست مسؤولية حكم فحسب، بل رسالة عمر تكتب آثارها في صحائف الدعاء قبل دفاتر السياسة. فامتزج في نهجه جلال الإرث السعودي العريق بروح الدولة الحديثة، حتى غدت مواسم الحج تحت قيادته مشهدًا تصافح فيه القداسة منجزات العصر، ويتعانق فيه الإيمان مع النظام، والرحمة مع الحزم، والخشوع مع عظمة الإنجاز. ويأتي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان آل سعود بروح تتقد كأنها إرادة وطن بأسره، وبعزم يكاد يختصر معنى الطموح السعودي في أبهى صوره، ففتح لخدمة ضيوف الرحمن آفاقًا تلامس حدود الإدهاش؛ إذ سخر للمشاعر من أدوات التقنية، وعظمة البنية، ودقة التنظيم، ما جعل العالم يرى كيف تستطيع العقيدة، إذا اقترنت بالإرادة، أن تشيد من الخدمة ملحمة حضارية لا نظير لها في ذاكرة الإنسان. فكأن الجبال قد ألينت، والطرقات قد مهدت، والزمن ذاته قد انقاد لهذا الموكب الايماني الأعظم، ليبلغ الحاج نسكه في أمن يطمئن له القلب، وطمأنينة يخشع لها الفؤاد. ثم تمضي المملكة أبعد من حدود الإنجاز المادي إلى ذلك البعد الإنساني النبيل الذي تعجز الأرقام عن قياسه، ويضيق الإحصاء عن وصفه؛ فالحاج هنا لا يعامل بوصفه رقمًا في حشود هائلة، بل ضيف كريم له حق الرعاية والإكرام. ترى البشر في وجوه الساهرين على خدمته، والرحمة في يد الطبيب، واليقظة في عين الجندي، والعذوبة في خلق المتطوع، حتى لكأن البلاد بأسرها قد انتظمت في موكب واحد، غايته أن يعود ضيف الرحمن من رحلته وقد امتلأ قلبه بصورة لا تنسى: صورة وطن سخر مجده لخدمة الدين، ووهب قوته لراحة المؤمنين، وكتب اسمه في ذاكرة التاريخ لا بحروف الذهب، بل بالدعوات الصادقات التي ترتفع من أفواه الملايين في مواطن الإجابة، فتعرج إلى السماء شاهدة أن لهذه البلاد مقامًا اختصه الله بالشرف، وهيأ له رجالًا أدركوا أن أعظم المجد ما كان في خدمة بيته العتيق.