فاطمة آل مبارك
في كل موسم حج، تتجلى أمام العالم صورة من أكثر المشاهد الإنسانية كثافةً وهيبة، ملايين القلوب تهرع إلى مركز واحد، لا يجمعها عرق أو لسان، بل يوحدها وحدة المقصد وجلال التوجه. في هذا المشهد الاستثنائي، اختبار لقدرة الإنسان على صهر ذاته في بوتقة الانضباط السلوكي والصفاء الروحي.
لقد جاءت خطبة إمام وخطيب المسجد الحرام، معالي الشيخ الدكتور عبد الرحمن السديس، لتضع خارطة طريق سيادية تجمع بين هيبة النسك واستحقاقات المرحلة. فقد قدم فضيلته طرحاً يتجاوز الوعظ التقليدي ليلامس جوهر الأمن العقدي والتنظيمي، مستنداً إلى الإرث الروحاني لمكة المكرمة، ومرتكزاً على فرض إرادة النظام التي تقتضيها عظمة هذه الشعيرة.
ثم انطلقت الخطبة من البعد الإستراتيجي لمكة بوصفها مهبط الوحي ومنبع الهداية الأولى، رمز للأمن المطلق الذي لا يقبل المزايدة. وحين ربطت الخطبة بين التوحيد الخالص وبين سلوك الحاج، كانت تؤسس لمبدأ التجرد لله، حيث يخلع الإنسان انشغالاته الدنيوية ليرتدي ثوب المسؤولية أمام الخالق والخلق.
إن تأكيد الخطبة على أن أمن مكة حكم إلهي راسخ منذ خلق السماوات والأرض، يرسخ حقيقة أن الحج شعيرة مصانة بسياج من الهيبة، لا تُحمل ما يباعدها عن مقصدها، ولا تُترك عرضة لغوغائية الفعل أو الكلمة. وجاء التحذير من «الإلحاد بظلم» ليمنح هذا المعنى صبغة حازمة، فترويع الآمنين أو الإخلال بقدسية عدوان يمس سيادة المكان وحرمة الدين، مما يتطلب وعياً جمعياً يرفض الفوضى ويفرض السكينة كمنهج لا يقبل التنازل.
واللافت في خطاب السديس هو التفاتته لفقه المرحلة، وتحذيره الصارم من حملات التضليل والفتنة. وهنا نلمح انتقالاً من الوعظ المجرد إلى بناء الوعي الأمني والإعلامي للأمة فالكلمة في زمن الفضاء المفتوح سلاح، والتثبت فيها ضرورة لقطع الطريق على كل من يحاول إرباك هذا الحشد الإيماني.
أما الإشارة إلى «التصريح» والالتزام بالأنظمة، فقد أعادت صياغة مفهوم الالتزام الإداري ليكون فعلاً تعبدياً بامتياز. فمن يلتزم بالنظام لا يمتثل لإجراء مدني فحسب، بل يمارس «تعظيم الشعيرة» من خلال حفظ الأنفس ومنع التدافع، مؤكداً أن التدين الحقيقي هو الذي يفرض النظام ويحقق المقاصد العليا للشريعة بصورة حضارية تليق بمكانة المملكة وقدرتها القيادية.
تكمن قوة الخطبة في أنها أعادت تقديم الحج باعتباره أخلاقًا قبل أن يكون مشهدًا، وسلوكًا قبل أن يكون حركة إذ إن العبادة لا تكتمل بأدائها وحده، بل بما تتركه في النفس من انضباط ينعكس أثره على الآخرين أمنًا وسكينة.
صفوة القول، إن الحج رحلة يكتشف فيها المسلم قدرته على الصبر والالتزام حيث يعود من رحاب البيت العتيق وقد تهذبت نفسه وتغيرت ملامحه الداخلية نحو الأفضل. مكة لا تستقبل الناس لزيارتها فقط، بل هي مدرسة تصقل النفوس وتغرس فيها قيم النظام والسكينة. إن المسلم الحقيقي هو الذي يحمل معه ثقافة الالتزام واحترام الحقوق إلى وطنه، ليكون نموذجاً صالحاً ومواطناً نافعاً، ثابتاً في مبادئه، ومنضبطاً في أفعاله.