مهدي آل عثمان
منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979، والعلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران تعيش حالة من العداء السياسي المعلن، والتوتر العسكري المتكرر، والحروب غير المباشرة الممتدة في أكثر من ساحة بالمنطقة. ورغم العقوبات الاقتصادية القاسية، وعمليات الاغتيال، والتصعيد الإعلامي والعسكري، إلا أن المتابع للمشهد يدرك أن واشنطن على امتداد أكثر من أربعة عقود لم تتجه فعلياً نحو إسقاط النظام الإيراني بصورة كاملة، بل إن كل التحركات الأمريكية بدت وكأنها تهدف إلى احتواء إيران أكثر من القضاء على النظام الحالي بها.
وهنا يبرز تساؤل منطقي، هل الولايات المتحدة حقاً لا ترغب في إسقاط النظام الإيراني. وإذا كان الأمر كذلك، فما الأسباب التي تجعل واشنطن تُبقي على هذا النظام رغم كل ما تعلنه من خلافات وصراعات معه.
واقع السياسة الدولية يقول إن الدول الكبرى لا تتحرك بالعاطفة أو بالشعارات، بل وفق حسابات المصالح والتوازنات المعقدة. ومن هذا المنطلق، تبدو إيران بالنسبة للولايات المتحدة خصماً يمكن التحكم في سلوكه، أكثر من كونها عدواً يجب إنهاؤه بالكامل. فإسقاط النظام الإيراني لا يعني فقط تغيير حكومة، بل قد يفتح أبواب فوضى سياسية وأمنية هائلة داخل دولة تمتلك موقعاً جغرافياً حساساً، وتنوعاً عرقياً ومذهبياً، وحدوداً متشابكة مع دول عديدة في الخليج وآسيا الوسطى والشرق الأوسط.
الولايات المتحدة تدرك أن انهيار النظام الإيراني بصورة مفاجئة قد يخلق فراغ سلطة يصعب السيطرة عليه، وربما يؤدي إلى سيناريوهات أكثر تعقيداً من بقاء النظام نفسه. فالتجارب السابقة في المنطقة، سواء في العراق أو ليبيا أو أفغانستان، أظهرت أن إسقاط الأنظمة لا يعني بالضرورة بناء بديل مستقر، بل قد يقود إلى فوضى طويلة الأمد، وتنامي الجماعات المسلحة، وتدخلات إقليمية ودولية متشابكة.
كما أن المعارضة الإيرانية نفسها، رغم وجودها الإعلامي والسياسي، لا تبدو حتى الآن قادرة على تقديم مشروع موحد يحظى بإجماع داخلي يمكن أن يشكل بديلاً جاهزاً لإدارة الدولة الإيرانية. وهذا ما يجعل واشنطن أكثر حذراً في التعامل مع فكرة إسقاط النظام، خصوصاً أن أي انهيار مفاجئ قد يُفقد المنطقة بأكملها حالة التوازن التي اعتادت القوى الكبرى التعامل معها.
ومن زاوية أخرى، فإن إيران، رغم عدائها الظاهر للولايات المتحدة إلا أنها تؤدي دوراً مهماً في معادلات التوازن الإقليمي. فوجود قوة إقليمية ذات مشروع مذهبي وسياسي وعسكري مثل إيران يمنح واشنطن مساحة دائمة لإعادة تشكيل التحالفات في المنطقة، وتعزيز الوجود العسكري الأمريكي، ورفع مستوى التنسيق الأمني مع حلفائها التقليديين. وفي السياسة الدولية كثيراً ما يُستخدم الخطر المستمر كأداة لإدارة النفوذ والمصالح.
كما أن استمرار التوتر مع إيران يحقق للولايات المتحدة مكاسب استراتيجية واقتصادية متعددة، سواء عبر صفقات التسلح، أو تعزيز النفوذ العسكري، أو التحكم بممرات الطاقة وأسواق النفط، أو حتى عبر إدارة الأزمات بما يخدم حضورها العالمي. ولهذا تبدو العلاقة بين الطرفين أقرب إلى صراع مضبوط الإيقاع، يتصاعد أحياناً ويهدأ أحياناً أخرى، لكنه نادراً ما يصل إلى نقطة الحسم الكامل.
ولا يمكن تجاهل البعد الدولي الأوسع في هذه القضية، فإيران ليست دولة معزولة تماماً عن حسابات القوى الكبرى الأخرى. فالصين وروسيا تنظران إلى النظام الإيراني بوصفه شريكاً مهماً في مواجهة النفوذ الأمريكي، وممراً استراتيجياً ضمن مشاريع الطاقة والتجارة والتحالفات الدولية. ولذلك فإن أي محاولة لإسقاط النظام الإيراني قد تواجه برفض غير معلن من موسكو وبكين، ليس حباً في إيران بقدر ما هو حفاظ على توازنات النفوذ العالمي.
وربما تدرك واشنطن أيضاً أن بقاء النظام الإيراني ضمن حدود معينة أفضل من وصول نظام مجهول التوجهات، قد يكون أكثر تطرفاً أو أقل قابلية للاحتواء. فالسياسة الأمريكية غالباً لا تبحث عن الصديق المثالي، بل عن الخصم الذي يمكن فهمه وإدارته ومنع خروجه الكامل عن قواعد اللعبة الدولية.
ولهذا يمكن ملاحظة أن الضربات الأمريكية لإيران، والعقوبات المفروضة عليها، غالباً ما تستهدف إضعافها ومنع تمددها، لكنها لا تصل إلى حد إسقاط النظام أو تفكيك الدولة بالكامل. وكأن المطلوب هو إبقاء إيران تحت الضغط المستمر، دون السماح بانهيارها الكامل أو تحررها الكامل في الوقت ذاته.
إن قراءة المشهد الإيراني الأمريكي بعيداً عن العناوين الإعلامية تكشف أن الصراع بين الطرفين ليس صراع وجود أو عدم، بل صراع مصالح وحدود نفوذ وأدوار إقليمية. فواشنطن لا تبدو راغبة في إيران قوية خارجة عن السيطرة، لكنها في الوقت ذاته لا تبدو متحمسة لإسقاط النظام بصورة نهائية، لأن تكلفة ذلك قد تكون أكبر من مكاسب بقائه.
وتبقى السياسة الدولية قائمة على البراغماتية أكثر من المبادئ، وعلى إدارة التوازنات أكثر من صناعة الانتصارات المطلقة. وربما لهذا السبب استمر النظام الإيراني حتى اليوم، رغم كل العقوبات والتوترات والحروب، لأن بقاءه وفق حسابات القوى الكبرى قد يكون جزءاً من معادلة الاستقرار المضطرب التي اعتاد العالم التعايش معها.