ثامر الشهراني
لم تعد أزمات المنطقة تُقرأ من زاوية السياسة وحدها، بل من زاوية الدولة الغائبة حين يحضر الوكيل. فكل تجربة عربية أثبتت أن الميليشيا لا تبني وطناً، وأن ازدواجية السلاح لا تصنع استقراراً، وأن التنمية لا يمكن أن تزدهر في ظل قرار سيادي مخطوف خارج حدود الدولة.
وفي خضم هذا المشهد المضطرب، تبرز سوريا اليوم كنموذج لتحول سياسي أعاد تعريف معادلة النهوض في الشرق الأوسط. فبعد سنوات طويلة من الاستنزاف، اختارت دمشق استعادة قرارها الوطني، وبدأت مرحلة جديدة عنوانها فك الارتباط بالمشروع الإيراني والعودة إلى محيطها العربي والدولي.
هذا التحول لم يكن مجرد تبدل سياسي عابر، بل انعكس مباشرة على شكل الدولة واقتصادها وموقعها الجيوسياسي. فدمشق التي كانت تُعرف كساحة صراع مفتوحة، بدأت تقدم نفسها اليوم كمركز عبور اقتصادي ولوجستي يربط الإقليم بالعالم، مستفيدة من موقعها الإستراتيجي وشبكات النقل والتجارة التي يجري إعادة إحيائها ضمن رؤية تقوم على «صفر مشاكل» واستعادة ثقة المجتمع الدولي.
لقد أدركت سوريا أن استعادة الدولة تبدأ من استعادة القرار، وأن أي مشروع تنموي لا يمكن أن ينجح في ظل هيمنة الوكلاء وتعدد مراكز القوة. ومن هنا، بدا واضحاً أن فك القبضة الإيرانية عن الداخل السوري فتح الباب أمام مرحلة مختلفة سياسياً واقتصادياً وحتى دبلوماسياً.
وفي لبنان، تبدو الصورة أكثر تعقيداً، حيث لا تزال الدولة تدفع ثمن سلاح يتجاوز مؤسساتها. فالأزمة اللبنانية لم تعد أزمة اقتصاد فقط، بل أزمة سيادة أيضاً. ولا يمكن لأي خطة إنقاذ أن تنجح ما دام القرار الوطني موزعاً بين الدولة والميليشيا، وما دامت بيروت عاجزة عن استعادة احتكار القوة وفرض منطق الدولة.
المواطن اللبناني اليوم لا يبحث عن شعارات سياسية بقدر ما يبحث عن وطن طبيعي؛ مصارف مستقرة، استثمارات تعود، وفرص حياة لا تهرب مع كل أزمة أمنية. لكن ذلك يظل معلقاً بقدرة الدولة على تفكيك حالة «الدويلة» التي عطلت الاقتصاد وأدخلت لبنان في عزلة إقليمية ودولية خانقة.
أما العراق، فرغم ما يمتلكه من ثروات هائلة، فإنه لا يزال عالقاً بين إمكانات الدولة ونفوذ الجماعات المسلحة. فالمشكلة لم تكن يوماً في نقص الموارد، بل في تعدد مراكز القرار وتحول جزء من مقدرات الدولة إلى أدوات تخدم مشاريع تتجاوز الحدود العراقية.
وفي اليمن، تتجلى الصورة بشكل أكثر وضوحاً. بلد أنهكه الانقسامات الداخلية ومحاولة تقاسم السلطة أو الانفراد بها، بينما يواصل الحوثيون ربط مستقبله بحسابات إقليمية لا تشبه أولويات اليمنيين ولا معاناتهم اليومية. وبينما تتحرك دول المنطقة نحو الاقتصاد والتنمية، ما يزال اليمن رهينة مشروع يعيد إنتاج الأزمات ويغلق أبواب الاستقرار.
إن ما تكشفه تجارب المنطقة اليوم هو أن سقوط الوكيل ليس خسارة للدولة كما يُروّج، بل بداية تعافيها الحقيقي. فالدولة لا يمكن أن تنهض بوجود سلاح موازٍ، ولا يمكن للاقتصاد أن يزدهر في ظل سلطة تتقاسم القرار مع الميليشيا.
وواقعيًا تبدو التجربة السورية في عام 2026 رسالة سياسية واضحة للعواصم العربية المأزومة: حين تستعيد الدولة قرارها، تبدأ رحلة النهوض، وحين يسقط الوكيل، يعود الوطن إلى شعبه.