د. جمال الراوي
يتحدث كثير من الناس اليوم عن «الذكاء الصناعي» كما لو أنه عقل مستقل، قادر على التفكير والتأمل واتخاذ القرار. ويبالغ بعضهم في تصوير قدراته، حتى صار بعضهم يستشيره في قضايا تتجاوز حدود العلم نفسه؛ كالتنبؤ بنتائج الانتخابات والمباريات، وغير ذلك من الحوادث البشرية التي تبقى خاضعة لعوامل متشابكة لا يمكن الإحاطة بها إحاطةً كاملة. وحال هذه التوقعات لا يختلف كثيرًا عن الاستبيانات التي تجريها بعض المؤسسات قبل الانتخابات؛ فقد تصيب أحيانًا، وتخطئ كثيرًا، لأنها تبني نتائجها على معطيات ناقصة أو متغيرة.
ومع اتساع الحديث عن الذكاء الصناعي، ظهرت بين الناس تفسيرات عجيبة تكشف عن قلق الإنسان أمام كل قوة جديدة لا يفهمها. فكلما ظهر اختراع في بداياته، حاول بعض الناس تفسيره بالغيب أو بالقوى الخفية. وقد قيل كلام قريب من ذلك عن الطباعة حين ظهرت، وعن الراديو حين أخذ الناس يسمعون الأصوات تأتيهم من صندوق صغير، بل قيل شيء قريب من ذلك عن الهاتف، حين ظن بعض البسطاء أن الصوت الخارج منه روح تتكلم.
ولا شك أن الآلات قد خدمت الإنسان ووفرت عليه كثيرًا من الجهد والعناء؛ فوسائل النقل اختصرت المسافات، والأجهزة الكهربائية سهلت الأعمال المنزلية، ووسائل الإعلام نقلت الأخبار والمعرفة والثقافة إلى أنحاء العالم بسرعة غير مسبوقة. غير أن الحال مع «الذكاء الصناعي» تجاوز عند بعض الناس حدود الإعجاب الطبيعي بالتقنية، حتى ارتبط بأوهام غريبة جعلت البعض يربطه بعالم الجن، أو يظن أن وراءه قوى خفية تمده بالمعلومات والمعرفة.
وفي الجهة المقابلة ظهرت تفسيرات أخرى لا تقل مبالغة، لكنها لا تربطه بالجن، بل بمشاريع تجسس عالمية أو أنظمة سرية للسيطرة على البشر. ويرى أصحاب هذا الرأي أن هذه التقنيات ليست مجرد أدوات، بل شبكات ضخمة لجمع المعلومات عن الناس، وتحليل سلوكهم، والتأثير في قراراتهم وتوجيه اختياراتهم.
وفي الحروب الحديثة يظهر خطر هذا الوهم بوضوح؛ فقد طورت بعض الجيوش أنظمة مراقبة تعتمد على آلاف الكاميرات وتحليل الصور والحركات والبيانات، فتقوم الحواسيب بإنتاج قوائم «للأهداف المحتملة». غير أن التجارب أظهرت أن كثيرًا من هذه النتائج كان مضللًا أو خاطئًا، لأن الآلة لا تفهم الواقع الإنساني المركب، بل تتعامل مع العالم بوصفه أنماطًا إحصائية جامدة.
وفي مجال الأمن استخدمت أنظمة تعتمد على تحليل ملامح الوجه وطريقة المشي وتعابير القلق لاكتشاف المجرمين في المطارات والأماكن العامة، لكن هذه الأنظمة كثيرًا ما أخطأت، فاتهمت أبرياء لمجرد أنهم كانوا متوترين أو مرهقين أو خائفين من السفر.
وقد امتد هذا الوهم إلى الحياة الشخصية أيضًا؛ فقد يضع إنسان ثقته الكاملة في برنامج أو تطبيق، ثم يبني عليه أحكامًا مصيرية. وربما قاده ذلك إلى الشك والريبة وتخريب حياته، لأنه تعامل مع نتائج الآلة وكأنها حقيقة مطلقة، مع أنها ليست سوى تحليلات احتمالية قابلة للخطأ. وقد قادت هذه الثقة العمياء بعض الناس إلى مآس شخصية؛ فهناك من وضع برنامج تجسس في هاتف زوجته بدافع الشك، حتى انتهى الأمر بالانفصال، ثم تبين لاحقًا أن الزوجة كانت بريئة.
غير أن الحقيقة أبسط بكثير من هذه التصورات كلها؛ فالذكاء الصناعي ليس روحًا خفية، ولا عقلًا مستقلًا، وإنما هو منظومة من الخوارزميات والبيانات. وهو يعمل -في جوهره- بالطريقة نفسها التي تعمل بها الآلة الحاسبة، ولكن على نطاق أعقد وأوسع. فهو يجمع المعلومات، ويحلل الأنماط، ثم يقدم نتائج مبنية على ما أعطي له من بيانات.
لكن الفرق بين الإنسان والآلة ليس فرق درجة فحسب، بل فرق طبيعة كاملة؛ فالآلة تحسب، أما الإنسان فيفهم. والآلة تربط بين الأنماط، أما الإنسان فيؤول المعاني، ويزن الظروف، ويدرك المقاصد، ويعيش التجربة الإنسانية بكل ما فيها من مشاعر وإرادة ووعي.
والخطر الحقيقي لا يكمن في الآلة نفسها، بل في الإنسان الذي بدأ يضيق بعبء التفكير، ويرغب في تسليم هذه المهمة إلى الأجهزة والبرامج. وهكذا تتحول التكنولوجيا - التي كان ينبغي أن تكون أداةً في يد الإنسان - إلى سلطة يتكئ عليها العقل المتراخي والمرهق؛ وكأنه بدأ يضيق به ذرعًا، فنحاه جانبًا، وتفرغ للهو واللعب.
لقد أصبح كثير من الناس يطلبون من الحاسوب أن يبحث ويفكر ويستنتج، ثم يعودون إليه ليستخرجوا «النتيجة النهائية» وكأنها حكم لا يقبل المراجعة، مع أن هذه النتائج قد تكون مبنية على بيانات ناقصة، أو معلومات منحازة، أو خوارزميات محدودة الفهم.
وقد خلق الله الإنسان وميزه بالعقل والإرادة والنية والقدرة على الفهم والتدبير، وهذه أمور لا يمكن أن تختزل في خوارزمية، مهما بلغت من التعقيد. فالآلة لا تعيش الزمان والمكان، ولا تدرك السياق الإنساني، ولا تشعر بالمسؤولية الأخلاقية، وإنما تنفذ ما وضع لها ضمن حدود رسمها الإنسان نفسه.
والأمر -في حقيقته- أبسط مما يتصوره كثيرون؛ فكما تعمل الغسالة وفق برنامج وضعه الإنسان مسبقًا، فتغسل الثياب ثم تنتهي مهمتها، يعمل «الذكاء الصناعي» بالطريقة نفسها، لكن على مستوى أكثر تعقيدًا؛ إذ يتعامل مع البيانات وفق خوارزميات وقواعد صممها البشر، ثم يخرج النتائج بناءً على ما أعطي له من معلومات؛ فهو -نعم- أداة متطورة، لكنه يبقى أداةً لا أكثر.
والمشكلة الكبرى في عصرنا أن الإنسان لم يعد يبحث عمن يفكر، بل عمن يعفيه من التفكير. وهنا تتحول الأداة -شيئًا فشيئًا- إلى وصي على العقل، لا لأنها أقوى من الإنسان، بل لأن الإنسان نفسه بدأ يفر من مسؤولية التأمل والحكم والفهم.
وتبقى الآلة امتدادًا ليد الإنسان، لا بديلًا عن عقله وروحه؛ وكلما ازداد العالم امتلاءً بالشاشات والبيانات، ازدادت حاجة الإنسان إلى بصيرته الداخلية، وإلى العقل الذي وهبه الله له؛ فالركون إلى الآلة هو إنهاك حضاري وانسحاب تدريجي من مسؤولية التفكير، وهذا لن يعفي الإنسان من الحساب أمام من خلق عقله، ووهبه كل الإمكانات ليستعمله بالصورة الأمثل.