د. عبدالرحمن بن حسين فقيهي
في كل عصر تظهر أوهام جديدة، لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود الوهم ذاته، بل في اللحظة التي يبدأ فيها المجتمع بمنحه الشرعية، والتعامل معه بوصفه حقيقة لا يجوز الاقتراب منها أو نقدها. هنا يتحول الوهم من حالة فردية عابرة إلى ظاهرة عامة تُصنع لها المساحات، وتُهيأ لها المنصات، ويُعاد تشكيل الوعي الجمعي ليعتادها شيئًا فشيئًا.
لقد أصبحنا نعيش زمنًا تُمنح فيه بعض الأوهام حصانة اجتماعية وإعلامية غريبة؛ حتى صار الإنسان يُلام أحيانًا إذا حاول أن يعيد الأشياء إلى حجمها الطبيعي. فالمبالغات تُسوّق على أنها نجاح، والاستعراض يُقدَّم باعتباره إنجازًا، والادعاءات الفارغة تُلبس ثوب الخبرة والتأثير، حتى غدا كثير من الناس أسرى صورة لا حقيقة لها.
ومن أخطر صور «شرعنة الوهم» أن يتحول التكرار إلى دليل، وكثرة المتابعين إلى معيار قيمة، والظهور المستمر إلى شهادة كفاءة. ومع الزمن يبهت الفرق بين الحقيقة والتمثيل، حتى ينشأ جيل يظن أن الحياة مجرد مشهد يجب إتقانه أمام الآخرين، لا رسالة ينبغي أن تُعاش بصدق واتزان.
إن بعض المنصات الحديثة لا تصنع الوعي بقدر ما تصنع الانبهار، ولا تربي العمق بقدر ما تغذي الاستعراض. ولهذا نرى كيف يُدفع بعض الشباب إلى اللهاث خلف صورة مثالية مزيفة، تُظهر الرفاه المطلق، والسعادة الدائمة، والنجاح السريع، بينما تُخفى خلف الكاميرات مساحات القلق، والديون، والاضطراب النفسي، والتكلف الاجتماعي.
والمؤلم أن الوهم حين يُشرعن لا يعود مجرد سلوك شخصي، بل يتحول إلى ضغط اجتماعي يمارَس على الجميع. فترى الإنسان البسيط يخجل من بساطته، وصاحب الحياة الطبيعية يشعر أنه متأخر لأنه لا يملك حياة «مبهرة» كالتي يشاهدها يوميًا. وهنا تبدأ المقارنات القاتلة، ويتحول الرضا إلى شعور دائم بالنقص.
إن المجتمعات لا تنهار فقط بالأزمات الاقتصادية أو الصراعات الكبرى، بل قد تنهكها أيضًا الأوهام حين تصبح ثقافة عامة. فحين يُقدَّم المظهر على الجوهر، والضجيج على القيمة، والادعاء على الحقيقة، فإن الوعي الجمعي يتعرض لتشويه بطيء لكنه عميق الأثر.
ولذلك فإن من أهم مسؤوليات الأسرة، والتعليم، والإعلام، أن تعيد الاعتبار للحقيقة الهادئة، وللإنجاز الصامت، وللقيم التي لا تحتاج إلى استعراض دائم كي تثبت وجودها. فالحياة الحقيقية لا تُقاس بعدد الإعجابات، ولا تُختزل في صور عابرة، ولا تُبنى على تصفيق مؤقت.
ويبقى السؤال الأهم: كم من الأوهام حولنا لم تعد تحتاج إلى إثبات، لأنها ببساطة حصلت على «شرعية اجتماعية»؟ هنا تبدأ المشكلة، وهنا يبدأ واجب الوعي.