حمد عبد العزيز الكنتي
يعيش الكثير منا في سعي حثيث للكمال، الذي ربما لا يكون كذلك سوى في تفكيرهم تجاه معنى الكمال، الذي قد يكون مختلفاً لدى غيره، مما يرى النقص يلبس ثوب الكمال، وفق المواقف والتحولات التي قالوا فيها: (قد تخسر أحياناً لتكسب)
ومثلما يتضح في هذه القصة من التراث الياباني القديم، التي تقول إن فنجان شاي ثمين سقط من يد صاحبه، فتناثرت أجزاؤه على الأرض كأنها نهاية حكاية طويلة. لكن بدلاً من إلقاء الشظايا في سلة النسيان، جمعها الفنان بحكمته وبدأ في نسج حياة جديدة لها، حينما لم يستخدم غراءً يخفي معالم الحادثة، بل اختار مادة «الأوروشي» الممزوجة بمسحوق الذهب الخالص، وشرع في صبر وتأن في ربط الشظايا، تاركاً مسارات الذهب تتدفق بين الكسور كأنها عروق نابضة بالحياة، مانحة للفنجان شكلًا متميزًا.
فالشقوق التي كانت رمزاً للتلف، تحولت بلمسة «الكينتسوجي» إلى منظر جميل أكد أن الانكسار يمنحنا فرصًا لنتباهى بندباتنا أمام الجميع، ولذلك نجد أن الكثير من القادة والمتميزين كانوا أيتاماً استمتعوا بنقص الكفاية، وحولوه إلى قوة في صناعة مستقبل أفضل.
وتتجلى الدعوة إلى نقص الكفاية في قوله تعالى: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ}، وفي قوله صلى الله عليه وسلم: (ما ملأَ آدميٌّ وعاءً شرًّا مِن بطنِه، بحسبِ ابنِ آدمَ أُكُلاتٌ يُقمنَ صُلبَهُ، فإن كانَ لا محالةَ فثُلثٌ لطعامِهِ، وثُلثٌ لشرابِهِ، وثُلثٌ لنفَسِهِ)، فربما تسبب الشبع بالأمراض للإنسان، كما قالوا: (البطنة تُذهِب الفِطنة)، في تأكيد على أن النقص مفيد في بعض الأحوال للإنسان.
ومن متع نقص الكفاية أن «فاقد الشيء يعطيه»، فالمنع الذي أكرمه به الرحمن عاد له في صور عطاء أخرى، جعلته يستشعر قيمة النقص الكامل في المعاني والأشياء، ويستثمر عِظَم وجودها، كحافز مهم يعي فيه أهمية النقص في منظومة حياةٍ جُبلت على كدر، يكابد فيها الإنسان تقلباتها، ويتأرجح مع متغيراتها في لُهاثٍ لا ينتهي لامتلاك اللحظة، وفي رحلة طويلة يجمع الكثير على أن النجاح فيها ليس في قطف الثمار بقدر ما يكمن في الطريق نحو القمة.
ويعترينا النقص النبيل حتى في العبادة؛ فلا إفراط ولا تفريط، كما قال سبحانه: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا}، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ لِكُلِّ عملٍ شِرَّةً، ولِكُلِّ شِرَّةٍ فترةٌ، فمنْ كان فترتُهُ إلى سنتي فقدِ اهتدى، ومَنْ كانَتْ إِلى غيرِ ذَلِكَ فقدْ هَلَكَ).
ولو عادت بنا الذاكرة إلى الماضي، لوجدنا متعة ونحن نحكي قصتنا باستمتاع عن لحظات خالدة كنا نتقاسم الساندويتش، ونرتشف العصير مع الإخوة والأصدقاء وسط جو من البهجة الجميلة، واللحظات الأخوية والعائلية البهيجة، التي تؤكد أن أسمى معاني الإنسانية تكمن في المشاركة، وأعلى درجات المشاركة تكمن في النصف من كل الأشياء المكتملة بنقصها النبيل.
وفي التربية قالوا: (إذا أردت إسعاد طفل فلبِّ له نصف رغباته)، وحتى في الحب يتجلى معنى متعة نقص الكفاية جلياً؛ فالتعلِّق المذموم يُتعب الإنسان ويُرهقه، وقد يمنعه عن تحقيق بعض أهدافه في الحياة، فيزداد الحب بجمال نقصه الذي يبث في أعماق الإنسان ما يكفيه من اللُطف، لكي يمضي في حياته إلى حيث يجب أن يكون.
ويمكننا مُجاراة قولهم: (لا تجيء الأشياء طائعة إلا إذا كانت عاشقة)، فنقول: (لا تجيء الأشياء مكتملة إلا إذا كانت ناقصة)، ففي قلب المعاني يكتمل نقص الأشياء، فيمكن الوصول بنصف تجربة، وقد يحصل الاستمتاع بنصف رحلة، وقد يتحقق المطلوب بنصف مجهود، وهكذا تتوالى رحلتنا متألقة مع النصف في منتصف ساحة الحكمة، وسط محو بوصلة القلب؛ حيث تولد القوة من عمق النقص، ويتكون مشهد المستقبل المشرق من نقص البدايات، لينتهي لنقص النهايات، فلا شيء كامل في هذه الحياة.
ولكن: ماذا لو كان هذا النقص غير موجود أصلاً على واقع الحياة؟ ماذا لو كان في صورتنا الذهنية عن الحياة؟ ماذا لو كان موجوداً في تقييماتنا للأشخاص والأشياء، في رؤيتنا للكون والإنسان؟
وموجوداً في الغشاوة التي حالت بيننا وبين المعنى الحقيقي للحياة، وفي فهمنا لتقلبات الأيام، وفي تعاطينا مع من هم حولنا في الحياة، وكيف نُقيّم مستوى مملكتنا؟
وما يلحق ذلك من تفاصيل عميقة تجعلنا نقف بتأمل أمام قوله تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}.
ولاحظوا تجليات متعة نقص الكفاية حينما يعجبنا «أكل أو مشروب، أو حتى ملبس ومركب»، وغيرها من رغبات الحياة، ثم عندما نُكثِرَ منه يُصبح شيئاً عادياً! وحينما نتركه لفترة نعود إليه بشغفٍ عالٍ؛ لأننا استشعرنا المتعة الكامنة في نقص الكفاية، التي يحاول البعض رفع سقفها فيقول بتهكم: (لا يكفي الإنسان شيء سوى التراب)!
ولكي تدخلوا في عمق المعنى، تذكروا وجبتكم الساخنة التي تناولتموها بنهم في ليلة باردة وسط الصحراء، وكوب ماء زمزم الذي شربتموه بشغف في ختام مناسك العمرة، أو بوح حان وقته بثّته قلوبكم المُرهقة لمن يستحقه في لحظة مثالية، أو عناق غمرتم فيه شخصاً بعد أن أرهقكم ظمأ عطش المسافات، أو لحظة حققتم فيها الإنجاز الذي كنتم تنتظرونه، ستجدون أن هذه المشاهد وغيرها، قِلَتِهَا في حياتكم تُحولها إلى كثرة، ينسكب ينبوعها فيّاضاً من أنهار حكمة نقص الكفاية.
وجربوا القيام من مائدة عليها وجبة ما تزال نفسكم فيها، أو الخروج من جلسة تتوق نفسكم للبقاء أطول فيها، أو الاستئذان من شخص بلغ الحوار معه ذروته، أو التوقف عن متابعة مسلسل يُمثل لكم شغفاً كبيراً، وغيرها من الرغبات البشرية المختلفة، وقيّموا اللحظة حينها، وحدثونا عن مفاجآت متعة نقص الكفاية.