د. رانيا القرعاوي
يشهد العالم تحولات غير مسبوقة في المشهد الإعلامي، فأتذكر عندما بدأت خطواتي المهنية الأولى في صحيفة الاقتصادية، كان الانتماء إلى مؤسسة إعلامية عريقة كفيلًا وحده بمنح الصحفي والمحتوى قدرًا عاليًا من الثقة والهيبة والتأثير. كانت أسماء مثل المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق تُعامل باعتبارها مدارس مهنية خرّجت أجيالًا كاملة من الإعلاميين، لا مجرد منصات تنشر الأخبار. ولذلك، كان لافتًا أن جزءًا كبيرًا من الجدل الذي رافق استقالة عبدالرحمن أبو مالح من ثمانية لم يكن نقاشًا حول كيان إعلامي أو نموذج أعمال أو حتى مستقبل منصة، بل بدا وكأن الجمهور يتعامل مع رحيل فرد باعتباره فقدانًا للمشروع نفسه.
هذه ليست حالة سعودية فقط، بل تحوّل عالمي تعكسه أحدث الدراسات الإعلامية. تقرير Digital News Report 2025 الصادر عن معهد رويترز للإعلام أشار إلى تصاعد اعتماد الجمهور على الشخصيات الفردية وصنّاع المحتوى كمصادر رئيسية للمعلومة والتأثير، خصوصًا بين الأجيال الأصغر سنًا. التقرير رصد مثلًا أن 22 % من الأمريكيين تعرضوا خلال أسبوع واحد فقط لمحتوى أو تعليق من شخصية إعلامية فردية مثل Joe Rogan، بينما أصبح صانعو المحتوى الإخباري في أوروبا ينافسون المؤسسات التقليدية مباشرة على الثقة والانتباه.
المثير للاهتمام أن هذه العلاقة لم تعد تُبنى على الخبر فقط، بل على الإحساس بالقرب الإنساني. الجمهور اليوم لا يسأل دائمًا: «ما اسم المؤسسة؟» بقدر ما يسأل: «هل أشعر أن هذا الشخص يشبهني ويفهمني؟». وربما لهذا السبب تحولت موظفة بسيطة مثل «ريري» في دانكن دونات إلى ظاهرة رقمية خلال أيام قليلة، تدرس في أقسام التسويق، بعدما انتشر مقطعها العفوي وهي تتحدث بطريقتها الطبيعية عن منتج «السينامون رول». لم يكن الترند نتيجة حملة ضخمة بقدر ما كان نتيجة شعور الناس بأن ما شاهدوه حقيقي وغير مصطنع.
لاحقًا، التقطت العلامة التجارية اللحظة بذكاء وحولت المنتج إلى جزء من التجربة التسويقية، لكن الشرارة الأولى لم تأتِ من وكالة إعلانات أو خطة محتوى، بل من إنسانة عادية بدت قريبة من الناس.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية التي تواجه المؤسسات الإعلامية اليوم، ماذا يحدث عندما تصبح الثقة مرتبطة بالأفراد أكثر من الكيانات؟ وماذا يحدث عندما يرحل الفرد؟ الهجوم الذي طال مؤسسة عريقة بحجم المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق يكشف بوضوح حجم هذا التحول. فالجمهور لم يتعامل مع الأمر بوصفه تغييرًا إداريًا داخل منظومة إعلامية ضخمة تمتلك تاريخًا طويلًا وتأثيرًا ممتدًا، بل بوصفه خسارة لعلاقة شخصية ارتبط بها عاطفيًا.
المشكلة هنا ليست في الجمهور، بل في الطريقة التي بنت بها كثير من المؤسسات حضورها خلال السنوات الأخيرة. بعضها سمح بأن تصبح العلاقة بالكامل بين المتابع والفرد، بينما بقيت المؤسسة في الخلفية، بلا شخصية واضحة أو رابط عاطفي مباشر مع الجمهور. وعندما يحدث أي تغيير، تشعر الجماهير أن القيمة غادرت مع الشخص.
استعادة الثقة لا تعني محاربة، فالعصر الإعلامي الجديد قائم أصلًا على الإنسانية والقرب والقصص الشخصية. لكن المؤسسات الذكية هي التي تعرف كيف تستفيد من حضور الأفراد دون أن تختزل نفسها فيهم. عليها أن تبني هوية يشعر الناس بقربها حتى عندما تتغير الوجوه، وأن تجعل الهوية المؤسسية هي ما يرتبط به الجمهور.
فالتحدّي الحقيقي اليوم لم يعد الوصول إلى الناس، بل لبناء علاقة تجعلهم يثقون بالمؤسسة نفسها، لا فقط بمن يمثلها مؤقتًا. فالأفراد قد يرحلون، لكن المؤسسات هي التي تبقى.