د. محمد بن عبدالله آل عمرو
في مساء بهيج من أمسيات الوفاء للعلم وأهله، تشرفت بحضور حفل تخرج الدفعة الثانية عشرة بجامعة بيشة، الذي أُقيم في رحاب الجامعة مساء الخميس السابع والعشرين من شهر ذي القعدة لعام 1447هـ، برعاية كريمة من صاحب السمو الملكي أمير منطقة عسير، وحضور صاحب السمو الملكي نائب أمير المنطقة، في مشهد جسّد ما توليه قيادتنا الرشيدة من عناية فائقة بالتعليم الجامعي، بوصفه أحد أهم روافد التنمية الوطنية وصناعة المستقبل.
لم يكن الحفل مجرد مناسبة احتفالية عابرة، بل كان لوحة وطنية زاهية امتزجت فيها مشاعر الفرح بالإنجاز، والاعتزاز بما وصلت إليه جامعة بيشة من تطور وتميز خلال سنوات قليلة من عمرها، حتى غدت صرحًا أكاديميًا يشار إليه بالبنان، ونموذجًا لما يمكن أن تصنعه الإرادة الصادقة حين تجد الدعم والرعاية والتخطيط السليم.
لقد حرصت الجامعة على أن يكون الحفل بمستوى المكانة التي تحظى بها من الدولة المباركة، وبما يليق بعناية سمو أمير المنطقة وسمو نائبه واهتمامهما المتواصل بالجامعة وطلابها، فجاء التنظيم أنيقًا، والبرنامج ثريًا، والمشهد العام معبرًا عن مؤسسة أكاديمية تؤمن بأن النجاح لا يقتصر على القاعات الدراسية، بل يمتد إلى بناء الإنسان، وصناعة الثقة، وغرس روح الانتماء والاعتزاز في نفوس أبنائها وبناتها.
كانت فرحة التخرج هذا العام مضاعفة؛ إذ احتفت الجامعة بتخريج أكثر من خمسة آلاف طالب وطالبة في مختلف التخصصات العلمية والإنسانية والصحية، وهي أعداد تعكس حجم الدور الذي تؤديه الجامعة في رفد الوطن بالكفاءات الوطنية المؤهلة. وفي مقدمة هؤلاء الخريجين برز تخريج نحو أربعة وستين طبيبًا من كلية الطب، وهو إنجاز يحمل دلالات كبيرة، ليس أقلها أن المحافظة والمنطقة والوطن باتوا يجْنون ثمار الاستثمار في التعليم الطبي، وإعداد الكفاءات الصحية الوطنية القادرة - بإذن الله - على خدمة المجتمع والمساهمة في تطوير القطاع الصحي الذي يشهد نهضة متسارعة في ظل رؤية المملكة 2030.
كما شهد الحفل تدشين سمو نائب أمير منطقة عسير عددًا من المباني والمنشآت الجامعية المستحدثة، وهي خطوة تؤكد أن الجامعة لا تكتفي بما حققته من نجاحات، بل تمضي بخطى واثقة نحو مزيد من التطوير والتوسع وتحسين جودة البيئة التعليمية والخدمات المساندة لطلابها وطالباتها. الجامعات الحديثة لم تعد مجرد مبانٍ وقاعات، بل أصبحت منظومات متكاملة لصناعة المعرفة والابتكار وتنمية القدرات البشرية، وهو ما تدركه جامعة بيشة وتسعى إلى ترسيخه في مشاريعها وبرامجها الأكاديمية.
ولعل من أبرز ما استوقف الحضور خلال الحفل ما أُشير إليه من تحقيق الجامعة لمراكز متقدمة على مستوى بعض التصنيفات العالمية، إلى جانب حصول عدد من برامجها الأكاديمية على الاعتماد الأكاديمي من هيئات تقويم محلية ودولية. وهذه المؤشرات ليست أرقامًا شكلية، بل تعكس مستوى الجهد المؤسسي المبذول في تطوير جودة التعليم والبحث العلمي، وتعزيز كفاءة المخرجات الأكاديمية بما يتوافق مع المعايير العالمية.
إن جامعة بيشة، التي بدأت قبل سنوات حلمًا يراود أبناء المحافظة، أصبحت اليوم حقيقة ناصعة وإنجازًا وطنيًا مشهودًا. وقد أثبتت التجربة أن الجامعات حين تُمنح الثقة والدعم والقيادات الكفؤة، فإنها تستطيع أن تختصر الزمن، وأن تصنع التحول التنموي والمعرفي في مجتمعاتها المحلية.
وإذ يثمّن أهالي بيشة الدعم الكبير الذي توليه حكومة سيدي خادم الحرمين الشريفين، وسمو ولي عهده الأمين - حفظهما الله - لمنظومة التعليم العالي في المملكة عمومًا، ولجامعة بيشة على وجه الخصوص، فإنهم يتطلعون إلى مزيد من التمكين والتطوير، بما يعين الجامعة على أداء رسالتها الطموحة في إعداد الكفاءات الوطنية المؤهلة علميًا ومهنيًا، والقادرة على الإسهام الفاعل في مسيرة البناء والتنمية، ومشاركة أقرانهم من أبناء الوطن في صناعة مستقبل المملكة الزاهر.
لقد كان حفل التخرج رسالة أمل قبل أن يكون مناسبة احتفاء، ورسالة وفاء لوطن جعل من التعليم مشروعه الأكبر، ورسالة اعتزاز بجامعة فتية استطاعت أن تتحول في زمن وجيز إلى منارة علم، ومصدر فخر لأبناء بيشة ومنطقة عسير، بل وللوطن بأسره.