جانبي فروقة
حين تُمسك هاتف آيفون وتشعر بذلك الاهتزاز الخفيف عند وصول رسالة جديدة فأنت دون أن تدري تلمس حرفياً خطوط التماس في أكبر مواجهة اقتصادية يشهدها العالم منذ عقود فهذا الجهاز الذي صُمّم في كاليفورنيا تُجمع معظم مكوناته في الصين وتحديداً في مدينة تشنغتشو حيث يعمل عشرات الآلاف داخل مصانع Foxconn التي تنتج وحدها جزءاً ضخماً من هواتف الكوكب أما المعالج الذكي داخله فتعتمد تقنياته على هندسة أمريكية متقدمة في حين أن المغناطيسات الدقيقة التي تجعل الهاتف يهتز تعتمد على عناصر أرضية نادرة تهيمن الصين على نحو 90% من معالجتها عالمياً وحتى Apple نفسها بدأت تدرك خطورة هذا الاعتماد، وقد دفعت مؤخراً مئات الملايين من الدولارات لتأمين سلاسل توريد بديلة للمغناطيسات بعيداً عن الصين خشية أن يأتي يوم تُستخدم فيه المعادن كسلاح سياسي فأمريكا تملك العقل الذي يصمم والصين تملك اليد التي تصنع وكلاهما يحتاج الآخر ويخشى الآخر في الوقت نفسه ، إنها ليست حرباً عسكرية تقليدية بل حرب أوراق خفية قوامها الغذاء، الرقائق، المعادن النادرة، النفط ، البيانات والممرات البحرية ولعل أفضل طريقة لفهم هذه المواجهة هي النظر إلى ما يسميه بعض المحللين بال «4B (Beef/Beans/Boing/Brains) الباءات الأربع (اللحوم وفول الصويا والطيران والعقل الرقمي من رقائق وذكاء اصطناعي).
قد يتحول الغذاء إلى سلاح فلسنوات طويلة اعتقدت واشنطن أن اعتماد الصين على الغذاء الأمريكي يمثل نقطة ضعف استراتيجية لبكين حيث إن الولايات المتحدة تُعد واحدة من أكبر القوى الزراعية في العالم بينما تحتاج الصين إلى استيراد كميات ضخمة من الأعلاف واللحوم لتلبية احتياجات سكانها البالغ عددهم أكثر من 1.4 مليار نسمة وفي عام 2024 وحده اشترت الصين منتجات زراعية أمريكية بقيمة تجاوزت 22 مليار دولار لكن مع تصاعد الحرب التجارية بدأت بكين بإعادة رسم خريطة أمنها الغذائي وأصبحت البرازيل البديل الأهم ففي أقل من عام صدرت حوالي 79 مليون طن من فول الصويا إلى الصين بينما رفعت الأرجنتين صادراتها الزراعية بشكل حاد والنتيجة كانت مؤلمة للمزارع الأمريكي؛ فصادرات فول الصويا الأمريكية إلى الصين تراجعت بشكل دراماتيكي كما انخفضت صادرات اللحوم البقرية بشكل كبير ووفقا لوزارة الزراعة الأمريكية (USDA) فقد انخفضت الصادرات بنسبة 49% خلال الأشهر الأولى من 2025 وانهارت صادرات بفول الصويا من 985 بوشل في 2024 إلى 218 مليونا فقط بحلول اغسطس 2025 كما تراجعت صادرات اللحوم البقرية بنسبة 75% مقارنة بالعام السابق.
والرسالة الصينية كانت واضحة: من ينوّع مصادره يصعب ابتزازه». وأما أيقونة صناعة الطيران الأمريكية شركة بوينغ «Boeing» فتمثل جانباً آخر من الصراع فقد كانت لسنوات رمزاً للقوة الصناعية الأمريكية في الصين لكن المنافسة أصبحت أكثر تعقيداً مع صعود إيرباص Airbus والطائرة الصينية المحلية C919 التي تسعى بكين لتحويلها إلى رمز للاستقلال الصناعي.
لكن الـB بي الأخطر اليوم ليست اللحوم ولا الطائرات بل Brains العقل الرقمي من رقائق وذكاء اصطناعي فإذا كان النفط هو وقود القرن العشرين فإن الرقائق الإلكترونية هي وقود القرن الحادي والعشرين.
إن الذكاء الاصطناعي والحوسبة العسكرية والسيارات ذاتية القيادة ومراكز البيانات وحتى الأسلحة الحديثة كلها تعتمد على الشرائح الإلكترونية المتقدمة
وهنا تملك واشنطن أقوى أوراقها فشركات مثل إنفيديا NVIDIA أصبحت عملياً جزءاً من الأمن القومي الأمريكي والصين تحتاج إلى رقائقها المتقدمة لتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي العملاقة ولهذا فرضت واشنطن قيوداً صارمة على تصدير شرائح مثل H100 وH200 إلى الصين لكن المفارقة أن أمريكا نفسها عالقة بين الأمن القومي والرأسمالية فالشركات الأمريكية تحقق مليارات الدولارات من السوق الصينية ما يجعل الحظر الكامل مكلفاً للغاية ووفق تقرير لـ Council on Foreign Relations أشار إلى أن امتلاك الصين لمليون رقاقة متقدمة فقط يمكن أن يرفع قدراتها الحوسبية بنسبة هائلة وهو ما يفسر لماذا تحولت الرقائق إلى سلاح جيوسياسي لا يقل أهمية عن حاملات الطائرات.
و إذا ما نظرنا إلى الخريطة الجغرافية سنجد نقطة الضعف الكبرى للصين (كعب أخيل) هي ليست في مصانعها بل عند مضيق هرمز ذلك الممر البحري الضيق الذي يعد شريان الصين الذي تستقبل منه حوالي 38% من إجمالي الصادرات النفط العابرة للمضيق ويجب أن نذكر أن الصين هي أكبر مستورد للنفط في العالم حيث تحتاج إلى 11.55 مليون برميل يوميا ولكن بكين استعدت لليوم الأسود ببناء مخزون استراتيجي للنفط هائل يكفي ل 120 يوما فضلا عن تنويع مصادر الاستيراد عبر أنابيب نفط من روسيا وآسيا الوسطى التي بلغت أيضا 38% من إجمالي الواردات البرية عام 2025 ومع ذلك تبقى الصين شديدة الحساسية تجاه أي اضطراب في هرمز أو بحر الصين الجنوبي أو مضيق ملقا والصين تعرف جيداً أن من يسيطر على الطاقة يسيطر على الصناعة.
وإذا كانت أمريكا تملك التكنولوجيا، فإن الصين تملك جزءاً أساسياً من المواد الخام التي تحتاجها هذه التكنولوجيا فبكين تهيمن على نحو 70% من إنتاج العناصر الأرضية النادرة وأكثر من 90% من عمليات المعالجة والتكرير وحصة ضخمة من صناعة المغناطيسات الدائمة المستخدمة في الصناعات العسكرية والإلكترونية.
وهذه المعادن تدخل في صناعة مقاتلات F-35 والصواريخ والسيارات الكهربائية والهواتف الذكية وتوربينات الرياح ولهذا أصبحت المعادن النادرة نفط العصر الرقمي وحين فرضت واشنطن قيوداً تجارية على الصين ردّت بكين بتقييد صادرات بعض العناصر الحرجة وسلاسل توريد البطاريات والمغناطيسات ما تسبب باضطرابات حتى داخل مصانع أوروبية والرسالة الصينية كانت مرعبة وواضحة ومضمونها «يمكنكم امتلاك الرقائق لكننا نملك بعض المواد التي تحتاجها تلك الرقائق».
إن القوة الصينية الحقيقية لا تكمن فقط في المعادن بل في الحجم الصناعي الهائل؛ فالصين اليوم تمثل قرابة 30% من التصنيع العالمي أي أكثر من الولايات المتحدة واليابان وألمانيا مجتمعة في بعض القطاعات كما حققت فائضاً تجارياً قياسياً بلغ 1.2 تريليون دولار في 2025 وهذا الفائض ليس مجرد رقم اقتصادي بل مصدر نفوذ عالمي يتمثل في تدفق الدولارات وهيمنة على سلاسل الإمداد وقدرة على خفض الأسعار واختراق الأسواق العالمية لكن أمريكا لا تزال تملك ورقتها الأخطر وهي الدولار فالدولار ليس مجرد عملة بل هي العمود الفقري للنظام المالي العالمي ومعظم التجارة العالمية والطاقة والاحتياطات الدولية لا تزال مرتبطة به ما يمنح واشنطن قدرة استثنائية على فرض العقوبات والتحكم بالتدفقات المالية. كما تبقى السوق الأمريكية التي تمثل نحو ربع الاقتصاد العالمي أكبر سوق استهلاكية يحلم أي مصنع عالمي بالوصول إليها.
فالصين تملك المصانع لكن أمريكا لا تزال تملك النظام المالي العالمي، ولكن لا يمكن أن نحدد اليوم من الطليعة بين أمريكا والصين إلا إذا حددنا زاوية الرؤية للجواب فمن زاوية التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي تتفوق أمريكا بوضوح خصوصاً في تصميم الرقائق والجامعات والشركات العملاقة ومن زاوية التصنيع وسلاسل الإمداد نجد الصين تتصدر بلا منازع وفي مجال الطاقة نجد أمريكا أكثر أماناً بينما تبقى الصين معرضة لمخاطر الممرات البحرية ومن جانب المعادن النادرة فاليد العليا هي للصين ومن زاوية النفوذ المالي العالمي فالدولار لا يزال الملك، لكن الحقيقة الأهم أن أياً من الطرفين لا يستطيع الانتصار بسهولة والاقتصاد العالمي أصبح متشابكاً إلى درجة تجعل كل ضربة ترتد على الطرفين معاً وما يحدث بين واشنطن وبكين ليس سلاماً وليس حرباً تقليدية أيضاً بل إنها حرب القرن الحادي والعشرين التي تمتد على مستويات متعددة يمكن وصفها بحرب رقائق أو معادن أو بيانات أو طاقة أو وسلاسل إمداد وأمريكا تملك التكنولوجيا والدولار والتحالفات أما الصين تملك المصانع والمعادن والصبر الإستراتيجي.
وفي عالم أصبحت فيه الرقاقة الإلكترونية أخطر من بعض الأسلحة قد لا يُحسم الصراع القادم في ساحة معركة بل في مصنع، أو منجم أو ممر بحري ضيق أو حتى داخل خادم ذكاء اصطناعي يعمل في مركز بيانات بعيد والعالم اليوم ينتظر مخرجات القمة في الصين بين الرئيسين ترامب وشي جي بينغ.
** **
- كاتب أمريكي