د. خالد بن محمد الصغير
غالبًا ما تُناقَش سلامة المرضى في إطار البروتوكولات السريرية، وأنظمة الإبلاغ عن الأخطاء، ومعايير الاعتماد المؤسسي. غير أن عاملًا بنيويًا حاسمًا يظل مهمشًا في هذا النقاش: اللغة. ففي السياق السعودي حيث تمثل اللغة العربية هي لغة الغالبية العظمى من المرضى، بينما تُستخدم اللغة الإنجليزية لغة العمل السائدة بين كوادر صحية متعددة الجنسيات، تتحول السياسة اللغوية من مجرد مسألة تنظيمية إلى عنصر جوهري تمس جوهر السلامة السريرية. وهنا لم يعد السؤال المطروح هو: «هل تؤثر اللغة في السلامة؟»، بل: «كيف تتحول فجوات الكفاءة اللغوية إلى مخاطر قابلة للقياس؟
تُظهر الأدبيات الدولية أن مشكلات التواصل تحتل مرتبة متقدمة بين مسببات الأخطاء الطبية الجسيمة. فقد اشارت تقارير «اللجنة المشتركة لاعتماد مؤسسات الرعاية الصحية (The Joint Commission) إلى أن سوء التواصل يسهم في نسبة معتبرة من الحوادث الخطيرة، وتوصي صراحةً بدمج خدمات اللغة ضمن استراتيجيات السلامة. كما تؤكد منظمة الصحة العالمية أن إزالة الحواجز اللغوية ليست تحسينا تشغيليا، وإنما جزء لا يتجزأ من العدالة الصحية ومنظومة الأمان السريري. وكذلك أفادت تقارير هيئات اعتماد صحية بأن ما يصل إلى نحو %60 من الأحداث السلبية الخطيرة يرتبط بعوامل تواصلية بدرجات متفاوتة.
من هنا يقدم المنظور السوسيولغوي (Sociolinguistic perspective) مفهوم «رأس المال اللغوي» (Linguistic Capital) لفهم ديناميات القوة داخل النظام الصحي، فامتلاك لغة النظام يعني امتلاك قدرة أكبر على الفهم، والمساءلة، واتخاذ القرار. وعندما لا تتطابق لغة المريض مع لغة المؤسسة الصحية ينشأ اختلال في توازن القوة المعرفية والذي ينعكس مباشرة على دقة التشخيص، وجودة الموافقة المستنيرة، ومستوى الالتزام بالخطة العلاجية، وذلك كله يظهر أنها ليست مسألة تواصل فحسب، بل مسألة تمكين معرفي يؤثر في النتائج السريرية.
وتؤكد المراجعات المنهجية مثل دراسة Karliner وآخرين أن الاستعانة بمترجمين محترفين تحد من الأخطاء ذات الدلالة السريرية مقارنة بالاعتماد على الترجمة الارتجالية، أو غيابها تماماً. غير أن حجم الأثر يختلف باختلاف نوع الخطأ وسياق الخدمة، مما يجعل الأرقام المطلقة أقل أهمية من الاعتراف بالحقيقة الجوهرية: إزالة الحواجز اللغوية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بانخفاض ملموس في الأخطاء الناجمة عن سوء الفهم.
أما في المملكة العربية السعودية فتتسم المنظومة الصحية بثلاث سمات رئيسة: غالبية ناطقة بالعربية من المرضى، وكوادر صحية متعددة الجنسيات تعتمد الإنجليزية لغة تواصل مشتركة، وغياب سياسة لغوية وطنية صريحة تنظم التفاعل بين اللغتين في السياق السريري. تُحدث هذه السياسة الضمنية تفاوتاً في الفهم يظهر جلياً في ممارسات يومية مثل شرح الخطط العلاجية، ومناقشة المخاطر، وقراءة النماذج الطبية، والالتزام بالإرشادات الدوائية. الإشكالية الأكثر إلحاحًا أن الأخطاء المرتبطة بالفجوة اللغوية لا تُصنَّف غالبًا كفئة مستقلة في أنظمة الإبلاغ، مما يجعلها غير مرئية إحصائيًا، وبالتالي خارج نطاق القياس والإدارة المنهجية. وبدون تحويل هذه الفجوة إلى مؤشر قابل للرصد، ستظل جزءًا كامنًا من المخاطر غير المُدارة.
واستجابةً لذلك تبرز الحاجة الملحة إلى إطار وطني للعدالة اللغوية الصحية يرتكز على أربعة محاور عملية: أولاً: اعتماد سياسة لغوية صحية وطنية تُلزم بتوفير خدمات ترجمة مهنية في الحالات عالية الخطورة. ثانياً: تدريب الكوادر الصحية على مهارات التواصل العابر للثقافات، بدلًا من الاعتماد على الترجمة الارتجالية غير الموثوقة. ثالثاً: تطوير نماذج طبية موافقة مستنيرة متعددة اللغات، مع آليات واضحة لاختبار فهم المريض. رابعاً: إدراج «العامل اللغوي» كمتغير مستقل ضمن مؤشرات وتقارير سلامة المرضى لتحويل الظاهرة من مجرد انطباعات إلى بيانات قابلة للتحليل والقياس.
اللغة في النظام الصحي السعودي ليست مجرد أداة تواصل، وإنما متغير تنظيمي استراتيجي يؤثر في توزيع المخاطر وجودة المخرجات الصحية. إن غياب سياسة لغوية صريحة يحوّل الفجوة اللغوية بين العربية (لغة المريض) والإنجليزية (لغة العمل) إلى خطر كامن قابل للقياس، وعليه فإن دمج العدالة اللغوية ضمن سياسات إدارة المخاطر ليس ترفاً تنظيمياً، أو مسألة هامشية، بل خطوة استراتيجية ضرورية لتعزيز جودة الرعاية وتقليل الأخطاء المرتبطة بسوء الفهم. ومن دون سياسة لغوية واضحة، ستظل الفجوة بين لغة المريض ولغة النظام مصدرًا صامتًا للأخطاء.
إذا كانت سلامة المرضى أولوية وطنية فإن اللغة يجب أن تُعامل كبنية تحتية للأمان، لا عنصرا ثانويًا، ولذا فبناء سياسة لغوية صحية واضحة في المملكة ليس مشروعاً ثقافياً فحسب، بل إجراء وقائي يستند إلى الأدلة الدولية ومبادئ العدالة الصحية، ويضع حجر الأساس لنظام صحي أكثر أماناً وإنصافاً للجميع في ممارساتها الصحية اليومية.