«الجزيرة» - علي بن سعد القحطاني:
شهد نادي ثقات الثقافي، بالتعاون مع الشريك الأدبي، أمسية ثقافية استضاف خلالها الأستاذ خالد المالك رئيس التحرير ضمن أمسية حوارية حملت عنوان: «التجربة الصحفية.. دروس مفصلية للأجيال القادمة»، بحضور نخبة من المثقفين والإعلاميين والأدباء والمهتمين بالشأن الثقافي والإعلامي في المدينة المنورة. وشهدت الأمسية تفاعلًا لافتًا مع الطرح الذي قدّمه الأستاذ خالد المالك، مستعرضًا أبرز محطات مسيرته الإعلامية وتجربته الصحفية الممتدة، التي شكّلت جزءًا مهمًا من تاريخ الصحافة السعودية والخليجية.
واستضاف النادي خلال الأمسية حوارًا ثقافيًا مطوّلًا استعرض فيه المالك تجربته الصحفية الممتدة لأكثر من ستة عقود، متناولًا بداياته المهنية، وتحولات الصحافة السعودية، وعلاقته بالمدينة المنورة، إضافة إلى رؤيته للذكاء الاصطناعي ومستقبل الإعلام وأخلاقيات المهنة، وسط حضور ثقافي وإعلامي لافت.
حساسيات السيرة الذاتية
وفي مستهل حديثه، قدّم المالك شكره للدكتور عبدالعزيز العدوي رئيس مجلس إدارة نادي ثقات وللدكتورة أمل حمدان على إدارتها للحوار، وللحضور على متابعتهم واهتمامهم بتجربته الصحفية، قبل أن يتحدث مطولًا عن حساسية السيرة الذاتية وصعوبة أن يروي الإنسان تفاصيل حياته كاملة دون أن يُساء فهم بعض المحطات أو يُنظر إليه بوصفه «بطلًا» يصوغ نفسه بصورة مثالية. وأوضح أن أي شخص حين يكتب سيرته أو يتحدث عن تجربته، فإنه يكون أمام مساحة معقدة بين ما يمكن قوله، وما يُؤجل الحديث عنه، وما يبقى ضمن خصوصياته الشخصية. وأضاف أن لكل إنسان «صندوق ذكريات» يحمل داخله محطات جميلة وأخرى قاسية، وقرارات يعتز بها وأخرى قد يراها أخطاء في مسيرته.
وأشار المالك إلى أن كلمات الإشادة والثناء التي يسمعها في مثل هذه اللقاءات ليست مدعاة للغرور، بقدر ما هي حافز للاستمرار والتجديد، مؤكدًا أن الإنسان مهما امتلك من تجربة يبقى مطالبًا بمواكبة المتغيرات ومحاولة تطوير ذاته. ولفت إلى أن من بلغ هذا العمر قد يجد صعوبة في الابتكار بالشكل الذي يطمح إليه، لكنه لا يزال يرى في مثل هذه اللقاءات دافعًا معنويًا لمواصلة العطاء.
طيبة الطيبة..
وميادين الصبا
وتوقف الأستاذ خالد المالك طويلًا عند المدينة المنورة، مؤكدًا أن الحديث عنها يفوق قدرة أي شخص مهما كتب أو تحدّث، نظرًا لما تمثله من قيمة دينية وتاريخية وإنسانية. واستعاد ذكرياته الأولى مع المدينة حين زارها لأول مرة عام 1378هـ/ 1958م، موضحًا أن أخواله كانوا يقيمون فيها، وأن والدته كانت تدفع به كل صيف ليقضي إجازته بين أبناء أخواله في المدينة المنورة. وقال إنه كان يرى المدينة آنذاك بعين مختلفة، إذ جاء من بلدة صغيرة في القصيم، فانبهر بالشوارع والمباني الحديثة والحياة الاجتماعية فيها، مستذكرًا أيام التنقل بالدراجات بين المزارع والبلدات وكأنهم يعيشون في مدينة خارج المملكة.
وأضاف أن التجربة الأعمق بالنسبة له هي أن يرى المدينة اليوم بهذا التطور الكبير والجمال العمراني والإنساني، مشيرًا إلى أن أكثر ما يلفت انتباهه هو الإنسان المدني نفسه بما يحمله من رقي وتعامل راقٍ. وقال إن وجوده على مقربة من المسجد النبوي يجعل التعبير عن المشاعر أمرًا يفوق القدرة على الوصف، مؤكّدًا أنه دائم الحرص على تلبية الدعوات المرتبطة بالمدينة المنورة، سواء عبر المحاضرات أو معارض الكتب أو الفعاليات الثقافية، لما يشعر به من راحة وانتماء خاص تجاهها.
الصدمة الأولى والتحول الرياضي
وفي حديثه عن بداياته الصحفية، روى قصة أستاذ اللغة العربية الفلسطيني محمد العبد الذي كان يدرّسهم في المرحلة الثانوية، وكان محبًا للشعر ومتفاعلًا مع القضية الفلسطينية، ويشجع الطلاب على الكتابة والعمل الصحفي. وقال عن ذلك الأستاذ أنه طلب من بعض الطلاب الذين رأى لديهم موهبة صحفية أن يشاركوا في الصحف الناشئة آنذاك. وأوضح أنه توجه بنفسه إلى جريدة الرياض في بداياتها الأولى، وكان يتخيل أنه سيدخل إلى مؤسسة ضخمة مليئة بالمحررين والكتّاب، لكنه فوجئ بغرفة صغيرة يعمل فيها رئيس التحرير الأستاذ عمران العمران ومصحح لغوي وعدد محدود جدًا من الموظفين.
وأضاف أن رئيس التحرير اقترح عليه أن يعمل مصححًا لغويًا، لكنه شعر آنذاك بأن الصورة التي رسمها للصحافة قد اهتزت، فخرج من الجريدة وهو يقرر ألا يعود إليها مجددًا.
وأشار إلى أن ميوله الرياضية وحبه للرياضة قاداه لاحقًا إلى العمل محررًا رياضيًا بصحيفة الجزيرة، حيث التحق بالصحيفة بدعم من شخصيات رياضية وإعلامية آنذاك وتولى اصدار ملحق رياضي، قبل أن تتوقف الصفحات الرياضية والاكتفاء بصحيفتين بسبب توجه إداري جديد ضد الرياضة. وقال إنه فكّر حينها بالاستقالة، لكنه راجع نفسه وقرر ألا ينهزم أمام العقبات، ليستمر في الصحيفة ويتدرج في المناصب من محرر إلى مدير تحرير فرئيس تحرير، حتى أصبحت الصحافة عمره الكامل الذي قضاه داخل المهنة.
الشغف وسر الاستمرارية
وعند حديث الأستاذ خالد المالك عن الاستمرارية في رئاسة التحرير، معتبرًا أن ذلك الهجوم يحمل انتقاصًا من قيمة الاستمرارية المهنية. إن العمل الإعلامي لا يرتبط بعمر محدد، بل بالشغف والقدرة والرغبة في الاستمرار، مؤكدًا أن المؤسسات الصحفية نفسها هي التي تدفعه للبقاء وتقدّر تجربته. وأضاف أنه لا يحب الحديث عن «النجاح» بوصفه إنجازًا شخصيًا، لأن النجاح الحقيقي يقدّره الآخرون، لكنه يعتز بأن صحيفة الجزيرة كانت مدرسة صحفية خرج منها رؤساء تحرير وصحفيون قادوا مؤسسات إعلامية في الداخل والخارج.
كما استعرض تجربة تحويل صحيفة الجزيرة من أسبوعية إلى يومية، مؤكدًا أنها كانت واحدة من أصعب المراحل وأكثرها جرأة، في ظل محدودية الإمكانات التحريرية والمالية آنذاك، حيث لم يكن في الصحيفة سوى أربعة أو خمسة أشخاص. وأوضح أنه بعد ستة أشهر فقط من توليه المسؤولية قرر إصدارها كصحيفة يومية في مغامرة حقيقية، قبل أن تتحول لاحقًا إلى واحدة من أكثر الصحف حضورًا وتأثيرًا في المملكة من حيث التوزيع والجهاز التحريري والعوائد المالية. كما تحدث عن إطلاق صحيفة «المسائية»، مبينًا أنها كانت تجربة مختلفة تستهدف فئة الشباب بمحتوى أخف وأكثر مرونة مقارنة بجدية «الجزيرة» وعمقها التحريري.
وأكد المالك أن القرارات المفصلية في الصحافة تحتاج إلى شجاعة وجرأة، موضحًا أن رئيس التحرير يمتلك هامشًا واسعًا من الاجتهاد إذا أحسن استخدامه لخدمة الوطن والقارئ. وقال إن «الجزيرة» عُرفت تاريخيًا بقدرتها على طرح الموضوعات التي تهم القارئ السعودي وتخدم المملكة، لا بمجرد البحث عن الإثارة أو الشهرة، مشيرًا إلى أن الصحيفة دفعت أثمانًا وعقوبات في بعض المراحل بسبب مواقفها التحريرية الجريئة، لكنها بقيت محافظة على حضورها وتأثيرها.
«إجراءات تقشفية» وتحديات الوعي
وفي محور الصحافة الورقية والتحول الرقمي، أكد أن المشهد الإعلامي تغير جذريًا، موضحًا أن الصحف الورقية لم تعد موجودة كما كانت في الطائرات والمقاهي والمطاعم ووسائل النقل، كما أن الإعلان الورقي تراجع بصورة كبيرة، وهو ما انعكس على التمويل وجودة المحتوى واستمرار الكفاءات الصحفية داخل المؤسسات. وأشار إلى أن الصحف اضطرت إلى «إجراءات تقشفية» تسبب في خروج عدد من أبرز الصحفيين إلى مجالات أخرى بسبب ضعف الرواتب والدعم المالي.
ورغم ذلك، شدّد على أن الإعلام من حيث الجوهر لم يتغير، وإنما تغيرت أدواته ولغته، موضحًا أن الإعلام الرقمي فرض لغة مختلفة عن الإعلام التقليدي، فيما جاء الذكاء الاصطناعي ليشكّل مرحلة أكثر تطورًا وتأثيرًا في صناعة الإعلام. وأكد أن المملكة تتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره خيارًا إستراتيجيًا، وأن المؤسسات الإعلامية مطالبة بتوظيف هذه التقنيات لخدمة المحتوى الإعلامي.
وحذر الأستاذ خالد المالك من الجوانب السلبية للذكاء الاصطناعي، مبينًا أن الخطورة تكمن في سهولة استخدامه لإنتاج مقالات كاملة أو سرقة أفكار الآخرين أو تقليد أساليب الكتّاب، لدرجة أن الذكاء الاصطناعي أصبح قادرًا على كتابة نص يشبه أسلوب أي كاتب معروف. وقال إن الجامعات والمؤسسات الأكاديمية تعاني أيضًا من هذه الإشكالات في الأبحاث ورسائل الدراسات العليا، مؤكدًا أن الذكاء الاصطناعي أداة مهمة لا يمكن تجاهلها، لكن لا بد من وجود رقابة ووعي أخلاقي يحكم استخدامه.
الثقافة وبناء وعي المجتمع
وفي الجانب الثقافي، أوضح المالك أن اهتمامه بالأدب والثقافة جزء أصيل من رؤيته للصحافة، لذلك حرص على إطلاق مجلة ثقافية ضمن «الجزيرة»، تهتم بالأدب والشعر والفكر. كما تحدث عن اهتمامه بالشعر تحديدًا، موضحًا أنه كان يمنح القصائد الجيدة صفحات كاملة مع عناية خاصة بالإخراج الفني والخط العربي، بهدف جذب القارئ وتعزيز تذوق الشعر. وأضاف أن الثقافة بالنسبة له ليست ترفًا، بل ضرورة تشبه الغذاء الذي يُبنى به وعي المجتمع وأدب الحوار ومستوى النقاش.
رسالة إلى جيل الغد
وفي ختام الجلسة، وجّه الأستاذ خالد المالك رسالة للأجيال الجديدة من الصحفيين، معبرًا عن أسفه لتراجع البيئة الصحفية التي كانت في الماضي حاضنة للمواهب الإعلامية. وأكد أن أهم ما يحتاجه الصحفي هو الالتزام بأخلاقيات المهنة والصدق مع الذات والقارئ، وأن يكون هدفه خدمة الوطن والمجتمع لا مجرد إثارة الجدل أو السعي وراء الظهور. كما دعا الإعلاميين الشباب إلى تطوير أنفسهم مهنيًا وصناعة قيمة حقيقية تجعل المؤسسات الإعلامية تتنافس عليهم، مشيرًا إلى أن المستقبل سيكون لجيل جديد يمتلك أدوات مختلفة وصحافة مختلفة عن صحافة الأمس.
واختتم الأستاذ خالد المالك حديثه بالتأكيد على أن الإعلام السعودي ظل منذ تأسيسه قائمًا على منظومة أخلاقية واضحة، مرتبطة بخدمة الوطن والناس والالتزام بالقيم المجتمعية، معتبرًا أن أي تجاوزات فردية لا يمكن أن تُستخدم للحكم على الإعلام السعودي بأكمله، الذي وصفه بأنه ما يزال متمسكًا برسالة الصحافة وأخلاقياتها.