د.شجاع بن متعب بن غميض
إن ما تنعَم به المملكة العربية السعودية اليوم من أمنٍ وارفِ الظلال، ورخاءٍ ممتد الآفاق، ليس مجرد مشهدٍ اعتيادي تُكرِّره الأيام، بل هو ملحمة تاريخية، وصياغة فريدة للقدَر، تجلَّت فيها ألطاف المولى -عزَّ وجلَّ-، ثم تبلورت عبر جهودٍ جبّارة بُذِلَت بالصبر والصدق على مدار عقودٍ طوال.
لقد كانت هذه الأرض الطاهرة، قبل أن تلتئم جراحها وتتوحَّد رايتها، ميادين تضجُّ بالفِتَن، وتَفتِك بها القلاقل، حيث كان الخوف هو السيِّد، واليقين غائبًا وراء أُفُق القلق، وبفضل الله ثم بفضل حكمة القيادة الفذَّة منذ عصر الموحِّد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، خلع الوطن ثياب «الجهل المُظلِم»، ليرتدي حُلَل الصدارة في ميادين البحث والتقدم التقني، واستبدل «ضيق الرزق» وقسوة الصحراء برَغَدِ عيشٍ شامل يعمُّ الحواضر والبوادي.
واليوم.. نرى النهضة الشاملة الشامخة لا تروي حكاية حجرٍ وطين، بل تَروي قصة دولةٍ أرست هيبتَها في محافل الأمم، فغَدَت شامخةَ البنيان، عزيزة المكان.
حين نتأمل في «عالم اليوم»، ندرك بعين البصر والبصيرة حجم النعمة التي تكتنِفُنا؛ فالعالَم المعاصر يموج بفِتَنٍ كقِطَع الليل المُظلم، لا يعلم مآلاتها إلا الله، نرى دولًا كانت بالأمس مِلْءَ السمع والبصر، تتآكل اليوم من الداخل وتتفكَّك عُراها، ونشاهد شعوبًا بأكملها تَذْرُوها رياحُ الضياع بسبب قراراتٍ متهوِّرة أورثت البلاد والعباد هلاكًا وخرابًا.
وفي الوقت الذي تحوَّلت فيه مدنٌ كانت تضج بالحياة إلى رُكامٍ وصمتٍ مُوحِش، يظل المواطن والمقيمُ في مملكة العطاء يمارس حياته بطمأنينةٍ تامة، وكأن هذا الوطن واحة خضراء وارفة تتوسَّط صحراء عالمية ملتهبة بالصراعات.
إن هذا الاستقرار لم يكن هبةً عارضة أو محض صُدفة، بل هو نتاجٌ لسياسةٍ جمعت بين الاتزان الحكيم والحزم الصارم، لقد قاد وُلاة أمْرِنا سفينةَ الوطن وسط أمواجٍ عاتية، وعواصف سياسية خطرة، فلم يُغامِرُوا بالشعب في تَهلُكة، ولم ينجرفوا خلف الشعارات الزائفة التي كانت سرابًا دمَّر دولًا، وأحال أحلامها رمادًا.
إن الوفاء يقتضي منا وقفة إجلالٍ وعرفان، وشُكرٍ يمتد من القلب إلى مقام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ووليِّ عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، اللذَين جعلَا من الحكمة درعًا حصينًا، ومن الرؤية الثاقبة صمام أمان، ليبقى الإنسان في هذا الوطن بمَعزِلٍ عن شرور الفتن ومنزلقات الضياع.
إن وراء هذا الهدوء الذي يُغلِّف مساجدنا، والسكينة التي تَعمُر بيوتنا، والطمأنينة التي تَحُفُّ أفراحَنا، ضغوطًا هائلة، وتحدياتٍ جسامًا يتحمَّلها ولاة الأمر آناءَ الليل وأطراف النهار.
إنها الأمانةُ الثقيلة التي تأخذ من وقتهم وصِحَّتهم الكثير؛ لكي تظل جباهنا مرفوعةً، وهاماتُنا شامخةً، لقد أدَّى وليُّ الأمر الأمانةَ بعزمٍ لا يلين، وغرَسَ في أعناق المسئولين روحَ الإخلاص، فأصبح «حقُّ الوطن» و»راحةُ المواطن» هما الغاية الأسمى التي تتضاءل دونها كلُّ الغايات.
إننا نعيش في «ترَفٍ من النعمة»، لا يُدرِك كُنهَه إلا من ذاق مرارة فَقْدِه، وهذا يُوجِب علينا استدامة الشُّكر للوهَّاب، وتجديد الولاءِ لولاة الأمر، الذين نَذَرُوا أنفسهم لخدمة البلاد.
إن الوفاء الحقيقي هو وَعيُنا العميق بأن خلف كل لحظة سكون نعيشها قيادة عظيمة، لم تعرف النوم لتنام أعينُنا بسلام.
دَورُنا اليوم هو الحفاظ على هذا المكتسَب العظيم، بالالتفاف حول قيادتنا، ونَبْذ كل ما يُعكِّر صفو هذا التلاحم الفريد، لنكون يدًا واحدة في بناء الغد.
ختامًا.. أدامَ الله على هذه الأرض المباركة أمنها، وحفظ لها قيادتها الرشيدة التي بذَلَت الغالي والنفيس؛ ليبقى وطننا منارةً عالمية للأمان، وواحةً للرخاء، وقِبلةً للمسلمين، ومثالًا يحتذى في القوة، والريادة، والازدهار.
** **
- مجلس الشورى