مبارك بن عوض الدوسري
يشكّل التطوّع اليوم أحد أبرز المظاهر الحضارية التي تعكس وعي المجتمع السعودي ونضجه، وتُبرز صورة الوطن في أجمل حالاتها، حيث تتجلى قيم العطاء والتكافل والمسؤولية في أبهى صورها خلال مواسم الحج والعمرة والزيارة، حين يهبّ أبناء هذا الوطن، أفراداً وجمعيات ومبادرات، لخدمة ضيوف الرحمن، في مشهد إنساني فريد يجمع بين الإيمان والانتماء، ويجعل من المملكة نموذجاً عالمياً في إدارة الحشود وتقديم الخدمات التطوعية المنظمة؛ ففي كل عام، ومع تدفق ملايين الحجاج والمعتمرين والزوار، تتحول مكة المكرمة والمدينة المنورة إلى ساحات واسعة للعطاء، يشارك فيها الجميع؛ طلاب، موظفون، متقاعدون، شباب وفتيات، جمعيات أهلية، فرق تطوعية، وجهات حكومية، يعملون جميعاً بروح واحدة، هدفها تسهيل رحلة الضيف، وتقديم صورة مشرقة عن هذا الوطن الذي جعل خدمة الحرمين الشريفين شرفاً ومسؤولية.
ويبرز المتطوعون في هذه المواسم كقوة بشرية استثنائية، يقدّمون خدمات متنوعة تمتد من إرشاد التائهين، ومساعدة كبار السن وذوي الإعاقة، وتنظيم الحشود، وتقديم الإسعافات الأولية، ودفع العربات، وتوزيع المياه، وترجمة اللغات، إلى الدعم التقني والإعلامي، وإدارة مراكز الاستقبال، وتقديم التوعية الصحية، وغيرها من المهام التي تُسهم في انسيابية الحركة وراحة الزوار؛ وما يميز هذا العطاء أنه لا يقوم على الجهد الفردي فقط، بل على منظومة متكاملة من الجمعيات التطوعية والجهات الرسمية التي تعمل بتناغم دقيق، وتستثمر في تدريب المتطوعين وتأهيلهم، ليكونوا قادرين على التعامل مع الظروف المختلفة، وليقدموا خدمات احترافية تعكس مستوى التنظيم الذي وصلت إليه المملكة في إدارة أكبر تجمع بشري سنوي في العالم.
إن مشاهد التطوع في موسم الحج والعمرة ليست مجرد لقطات عابرة، بل هي قصص إنسانية تُروى كل يوم؛ شاب يرافق حاجاً كبيراً في السن حتى يصل إلى وجهته، متطوعة تساعد امرأة لا تتحدث العربية على إيجاد عائلتها، مجموعة من الشباب ينظمون حركة الحشود تحت الشمس لساعات طويلة، فرق طبية تطوعية تتدخل في لحظات حرجة لإنقاذ حياة، وجمعيات أهلية تعمل ليلاً ونهاراً لتقديم خدمات نوعية، كل ذلك دون انتظار مقابل، سوى شعور داخلي بأن خدمة ضيوف الرحمن شرف لا يضاهيه شرف؛ وفي هذه المواسم، تتجلى القيم التي تربّى عليها أبناء هذا الوطن؛ الكرم، الإيثار، احترام الكبير، مساندة الضعيف، والحرص على أن تكون رحلة الحاج والمعتمر ميسّرة وآمنة ومليئة بالطمأنينة.
ومع رؤية المملكة 2030 التي جعلت الوصول إلى مليون متطوع هدفاً وطنياً، أصبح التطوع جزءاً من مشروع تنموي شامل، لا يقتصر على المواسم الدينية، بل يمتد إلى مختلف المجالات الاجتماعية والبيئية والصحية والتعليمية؛ غير أن موسم الحج والعمرة يظل الساحة الأوسع التي تُظهر حجم هذا التحول، وتكشف عن طاقات الشباب، وتؤكد أن التطوع ليس نشاطاً ثانوياً، بل قيمة راسخة في الهوية الوطنية، وركيزة أساسية في بناء مجتمع متماسك يعرف معنى المسؤولية المشتركة.
إن التطوع في خدمة ضيوف الرحمن ليس مجرد عمل، بل هو رسالة إنسانية وروحية، تقول إن هذا الوطن لا يكتفي باستقبال الحجاج والمعتمرين، بل يحتضنهم، ويهتم بتفاصيل رحلتهم، ويجعل من كل خطوة لهم تجربة آمنة ومريحة؛ وبين كل يد تمتد للمساعدة، وكل ابتسامة تُقدّم لضيوف الله، وكل ساعة يقضيها المتطوع في الميدان، تتشكل صورة وطن يفتخر بأبنائه، ويكبر بعطائهم، ويثبت أن القوة الحقيقية ليست في الإمكانات وحدها، بل في القيم التي يحملها الإنسان حين يختار أن يكون نافعاً، وأن يجعل من العطاء أسلوب حياة.