صبحي شبانة
في لحظات نادرة من عمر التاريخ، لا يكتفي العالم بمشاهدة الأحداث، بل يتحول إلى جزء من نسيجها، وكأن الجغرافيا نفسها تتوقف قليلاً لتصغي لما يُقال خلف الأبواب المغلقة، حيث لا تُعلن القرارات الكبرى دفعة واحدة، بل تتشكل ببطء داخل دوائر مغلقة، ثم تمتد آثارها كالموج إلى أسواق المال، وممرات الطاقة، وحدود التوتر في أكثر من إقليم مشتعل.
ومع اتساع دائرة التأثير، يصبح الشرق الأوسط والخليج العربي في قلب هذا التحول، لا بوصفهما مسرحاً للأحداث، بل باعتبارهما عقدة استراتيجية في بنية الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة، حيث يمكن لأي اضطراب محدود أن يعيد تشكيل اتجاهات الأسواق، ويؤثر في سلاسل الإمداد، ويعيد رسم أولويات القوى الكبرى في التعامل مع العالم، وما يتسرب من داخل قاعة المفاوضات التي تُعقد فيها القمة، يتشكل مشهد أكبر من حدود لقاء ترامب - شي، مشهد لا يتوقف عند ما سيُقال بين الزعيمين، بل يمتد إلى ما سيُفهم، وما سيُبنى عليه، وما قد يُفتح أو يُغلق من ملفات في نظام دولي يقف اليوم على أعتاب مرحلة إعادة تشكيل هادئة، لكنها عميقة وواسعة المدى.
وما أشبه اليوم بالبارحة ففي الرابع عشر من أكتوبر عام 1962، لم يكن العالم يدرك أنه على موعد مع لحظة فاصلة في تاريخه الحديث، حين التقطت طائرة استطلاع أميركية صوراً دقيقة كشفت وجود منصات صواريخ سوفييتية نووية داخل الأراضي الكوبية، على بعد دقائق فقط من السواحل الأميركية، لتبدأ واحدة من أخطر الأزمات الجيوسياسية في القرن العشرين، والتي عُرفت لاحقاً بأزمة الصواريخ الكوبية بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي.
في تلك اللحظة لم تكن المسألة مجرد توتر سياسي عابر، بل كانت مواجهة وجودية بكل معنى الكلمة، حيث ارتفعت مستويات الاستعداد العسكري إلى الحد الأقصى، وتحركت الغواصات النووية في المحيطات بصمت ثقيل، واستعدت القاذفات الاستراتيجية للإطلاق، بينما جلس الرئيس الأميركي جون كينيدي، والزعيم السوفييتي نيكيتا خروتشوف، في مواجهة غير مباشرة عبر الرسائل السرية والاتصالات الدبلوماسية، وكل طرف يدرك أن أي خطأ في الحسابات قد يقود إلى حرب نووية شاملة تنهي شكل الحضارة الحديثة، ثلاثة عشر يوماً فقط كانت كافية لتجمد العالم في حالة من الذعر التاريخي، حيث لم يكن السؤال المطروح هو من ينتصر، بل هل سيبقى هناك عالم ليشهد أي انتصار؟
اليوم، وبعد أكثر من ستة عقود، يعود المشهد الدولي ليحمل ملامح توتر مشابه في الجوهر، وإن اختلفت أدواته وخرائطه وفاعلوه، فالعالم لم يعد منقسماً فقط بين قوتين عظميين كما في الحرب الباردة، بل أصبح أكثر تعقيداً وتشابكاً بين الولايات المتحدة الأميركية والصين، وبين قوى إقليمية صاعدة، وبين مسارح جيوسياسية متعددة تتداخل فيها الجغرافيا مع الاقتصاد، والطاقة مع الأمن، والتكنولوجيا مع النفوذ السياسي، في مشهد عالمي بالغ الحساسية، وفي قلب هذا المشهد، يبرز الشرق الأوسط والخليج العربي باعتبارهما مركز ثقل استراتيجي لا يمكن تجاوزه، ليس فقط بسبب ثروات الطاقة، بل بسبب الموقع الجغرافي الذي يتحكم في شرايين التجارة العالمية، وممرات الطاقة، وسلاسل الإمداد الدولية، ما يجعل أي اضطراب فيهما قادراً على إحداث ارتدادات فورية في الاقتصاد العالمي بأسره.
في الحالتين، سواء في أزمة كوبا أو في الأزمة الإيرانية المعاصرة، تلعب الجغرافيا دور العقدة الحاسمة، فكوبا كانت تمثل بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية خاصرة جغرافية حساسة لا تبعد سوى مسافة قصيرة عن أراضيها، بينما يمثل الخليج العربي اليوم مركز الطاقة العالمي، وبوابة استراتيجية تمر عبرها نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز الى مختلف دول العالم، إضافة إلى كونه ممراً أساسياً لحركة التجارة الدولية.
لكن الفارق الجوهري بين الأزمتين أن طبيعة الصراع تغيرت جذرياً، ففي أزمة 1962 كان التهديد نووياً مباشراً وواضحاً، يتمحور حول صواريخ ذات رؤوس نووية بين قوتين عظميين، أما اليوم فإن الصراع أكثر تعقيداً وتداخلاً، حيث لم يعد يقتصر على البعد العسكري فقط، بل امتد ليشمل الحروب الاقتصادية، والعقوبات، والتكنولوجيا، والطاقة، وسلاسل الإمداد، والحروب السيبرانية، ما يجعل أي أزمة قابلة للتحول والاشتعال بسرعة من ملف إقليمي إلى أزمة عالمية شاملة.
الولايات المتحدة الأميركية تنظر إلى إيران باعتبارها عقدة استراتيجية تهدد استقرار الشرق الأوسط، سواء عبر برنامجها النووي أو عبر نفوذها الإقليمي في عدة ساحات عربية، بينما ترى الصين أن إيران تمثل شريكاً استراتيجياً مهماً ضمن مشروعها العالمي المعروف بـ«الحزام والطريق»، كما تشكل نقطة ارتكاز في منظومة الطاقة والتجارة التي تربط آسيا بالشرق الأوسط وأوروبا.
وهنا يتجلى التشابه العميق مع أزمة كوبا، حيث لم يكن الصراع الحقيقي يدور حول الجزيرة الكوبية نفسها، بل كان انعكاساً لصراع أوسع بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي آنذاك على ميزان القوى العالمي، واليوم لا يبدو أن إيران هي الهدف النهائي للصراع بقدر ما هي ساحة اختبار لمعادلات النفوذ بين واشنطن وبكين.
وسط هذا المشهد شديد التعقيد، يبرز الخليج العربي كأحد أكثر المناطق حساسية في العالم، ليس فقط باعتباره مصدراً رئيسياً للطاقة، بل باعتباره مركزاً جيوسياسياً يتحكم في جزء كبير من استقرار الاقتصاد العالمي، حيث تمر عبره خطوط الملاحة الدولية، ومضيق هرمز، والبحر الأحمر، وهي شرايين أساسية لحركة التجارة العالمية.
وفي هذا السياق، تبرز المملكة العربية السعودية بوصفها أحد أهم عناصر التوازن في المعادلة الدولية الجديدة، بعدما نجحت خلال السنوات الأخيرة في إعادة صياغة موقعها السياسي والاستراتيجي بطريقة جعلتها لاعباً محورياً في النظام الدولي المعاصر، من خلال تبني سياسة خارجية تقوم على تنويع الشراكات، وإدارة التوازنات، وتوسيع هوامش الحركة الدبلوماسية بعيداً عن منطق الاستقطاب الحاد، فالمملكة تحتفظ بعلاقات استراتيجية عميقة مع الولايات المتحدة الأميركية، باعتبارها شريكاً تقليدياً في مجالات الأمن والطاقة، وفي الوقت نفسه طورت علاقات اقتصادية وسياسية متنامية مع الصين، شملت مجالات الاستثمار والطاقة والبنية التحتية، ما جعلها في موقع فريد يسمح لها بالتحرك بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم دون الانخراط الكامل في سياسة المحاور الصلبة.
هذا التحول لا يعكس فقط تطور السياسة الخارجية السعودية، بل يعكس أيضاً طبيعة المرحلة الدولية الجديدة، التي لم تعد فيها التحالفات ثابتة كما كانت في زمن الحرب الباردة، بل أصبحت أكثر مرونة وسيولة، تقوم على إدارة المصالح المتغيرة والتوازنات الدقيقة، حيث تتداخل الاقتصاديات مع السياسة، وتصبح القرارات الاستراتيجية مرتبطة بشبكات معقدة من الاعتماد المتبادل بين الدول، وفي ظل هذا المشهد، تتحول المملكة العربية السعودية إلى مركز ثقل استراتيجي في المنطقة، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي أو ثروتها النفطية بل بسبب قدرتها على التأثير في معادلات الاستقرار الإقليمي، ودورها المتزايد في دعم التوازنات بين القوى الدولية، وقدرتها على لعب دور الوسيط أو محور الاتزان الإقليمي والدولي في أزمات معقدة تمتد من الخليج إلى شرق آسيا.
كما أن أهمية المملكة تتعزز في ظل التغيرات العالمية في أسواق الطاقة، حيث لم يعد النفط مجرد سلعة اقتصادية، بل أصبح أداة استراتيجية ترتبط مباشرة بالأمن القومي للدول الكبرى، وباستقرار الاقتصاد العالمي، ما يجعل أي قرار يتعلق بالإنتاج أو التصدير أو الاستقرار في المنطقة قراراً ذا تأثير عالمي مباشر.
وفي المقارنة بين أزمة كوبا والأزمة الإيرانية الحالية، يظهر عنصر مشترك بالغ الخطورة، وهو أن العالم في الحالتين يقف على حافة التوتر القصوى، حيث تصبح الحسابات السياسية دقيقة إلى درجة تجعل أي خطأ صغير أو سوء تقدير قادراً على إشعال مواجهة واسعة، ففي أزمة 1962، كان مجرد خطأ في التفسير أو قرار عسكري متسرع كفيلاً بإطلاق حرب نووية، واليوم قد يؤدي حادث محدود في الخليج العربي أو البحر الأحمر إلى تصعيد إقليمي واسع لا يمكن احتواؤه بسهولة، لكن الفارق الأهم أن العالم الحالي بات أكثر ترابطاً وتشابكاً، بما يجعل أي اضطراب محدود سريع الامتداد واسع الأثر، فالعولمة جعلت الاقتصادات مترابطة بشكل عميق، وسلاسل الإمداد تعتمد على استقرار الممرات البحرية، وأسواق الطاقة أصبحت حساسة لأي اضطراب سياسي أو عسكري، ما يجعل تكلفة أي صراع أكبر بكثير مما كانت عليه في القرن الماضي، ففي زمن الحرب الباردة، كان الصراع محصوراً إلى حد كبير في المجال العسكري والاستراتيجي، أما اليوم فإن أي مواجهة في الخليج العربي قد تؤدي إلى ارتفاعات حادة في أسعار النفط والغاز، واضطراب الأسواق المالية العالمية، وتعطيل التجارة الدولية، وربما دخول الاقتصاد العالمي في حالة ركود واسعة.
وهنا تتداخل الحسابات بين القوى الكبرى، فواشنطن تدرك أن الدخول في حرب واسعة مع إيران سيشكل عبئاً استراتيجياً واقتصادياً هائلاً، بينما تدرك بكين أن أي انهيار في استقرار الخليج سيؤثر مباشرة على أمن الطاقة الصيني والنمو الاقتصادي العالمي، وهو ما يدفع الطرفين إلى محاولة إدارة الأزمة بدلاً من الانزلاق إلى مواجهتها المباشرة، لكن رغم ذلك، يبقى الشرق الأوسط منطقة شديدة الحساسية، حيث يمكن أن تتحول الأحداث الصغيرة إلى أزمات كبرى بسرعة غير متوقعة، بسبب تراكم الصراعات التاريخية وتعدد الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين، ما يجعل استقرار المنطقة حالة مؤقتة وليست مستقرة بشكل دائم، ومن هنا تأتي أهمية القمة الامريكية الصينية بين دونالد ترامب وشي جين بينج، ليس فقط باعتبارها اجتماعاً ثنائياً بين قوتين عظميين، بل باعتبارها محطة محتملة لإعادة صياغة قواعد إدارة الصراع الدولي في المرحلة المقبلة، سواء عبر تفاهمات مباشرة أو عبر إدارة غير معلنة للتوترات في مناطق النفوذ الحساسة.
وفي النهاية، فإن العالم يقف أمام مشهد تاريخي بالغ الحساسية والتعقيد، حيث تتقاطع فيه أزمة كوبا التاريخية مع أزمة الشرق الأوسط المعاصرة، في تشابه لا يعني التطابق، لكنه يكشف عن حقيقة أساسية في العلاقات الدولية، وهي أن النظام العالمي عندما يقترب من حافة التحول، تصبح المناطق المحورية مثل الخليج العربي مسرحاً رئيسياً لاختبار التوازنات الكبرى بين القوى العظمى، ويبقى السؤال مفتوحاً على كافة الاحتمالات:
هل ينجح العالم هذه المرة في تجنب الانزلاق إلى مواجهة كبرى كما حدث في أزمة كوبا، أم أن تعقيدات العصر الحديث تجعل من إدارة الأزمات أمراً أكثر صعوبة، وأكثر خطورة، وربما أكثر قرباً من لحظة الانفجار؟