مرفت بخاري
لا شيء يدفعني إلى الكتابة كما تفعل لحظات النجاة.. تلك اللحظات التي تمتزج فيها دموع الفرح بالدعاء، ويأتي الشكر لله بعد خوفٍ طويل وظنٍّ مرير بأن الفقد أقرب من النجاة. عن الفرح الذي يولد من رحم الكرب أتحدث، وعن ذلك الوجع الذي لا يعرفه حقًا إلا قلب والدٍ خاف على فلذة كبده من المرض، وشعر بالعجز أمام الألم.
لم أواجه في حياتي خوفًا يشبه خوفي يوم مرض ابني وهو لم يتجاوز عامه الثاني، وكأن قلب الأم يحمل دائمًا سؤالًا خفيًا يؤلمه هل قصّرت؟ هل كان بإمكاني أن أحميه أكثر؟
ثماني سنوات من الفحوصات والالتزام بالعلاج والقلق الدائم.. حتى جاءت لحظة استعادته لعافيته، لحظة لا يمكن لأي لغة أن تحتوي حجم الامتنان الذي سكن قلبي بعدها.
ولهذا، كلما شاهدت أمهات التوائم السيامية بعد عمليات الفصل، ودموعهن التي تأتي بعد أكثر من ست عشرة ساعة من الانتظار والخوف والدعاء، أشعر أنني أرى سنوات هلعي في أعينهن.
إن تجربة الاقتراب من فقد من نحب ليست مجرد ألم عابر، بل شعور يتسلل حتى إلى أنفاسك، إلى رئتيك، إلى كل جزء منك. من هنا تحديدًا، تتجلّى القيمة الإنسانية العظيمة التي تقدمها المملكة العربية السعودية في برنامج فصل التوائم السيامية، إذ لم تكن هذه العمليات يومًا مجرد إنجاز طبي متقدم، بل كانت مشروع رحمةٍ وإنقاذ، أعاد لأسرٍ كثيرة حقها في الأمل والحياة. لم تكن المملكة العربية السعودية، وهي تخوض هذا الطريق الإنساني العسير، تبحث عن مجدٍ إعلامي عابر، بل كانت تؤسس لمعنى أعمق من الطب ذاته، معنى أن يكون الإنسان أولًا، وأن تتحول المعرفة والخبرة والإمكانات إلى يد رحيمة تمتد لإنقاذ الأرواح دون النظر إلى جنسيةٍ أو لونٍ أو حدود.
فعلى مدى عقود، استطاع البرنامج السعودي لفصل التوائم السيامية أن يحقق إنجازات طبية وإنسانية استثنائية، جعلت المملكة واحدة من أهم الدول عالميًا في هذا المجال الدقيق والنادر.
فمنذ انطلاق البرنامج، استقبلت المملكة عشرات الحالات من مختلف دول العالم، وتحولت غرف العمليات فيها إلى مساحة أمل لأسرٍ جاءت مثقلة بالخوف، وغادرت وهي تحمل أبناءها إلى حياة جديدة كُتبت لهم بعد عناية الله. وقد قاد هذه المسيرة الإنسانية والطبية الملهمة معالي المستشار الدكتور عبدالله الربيعة، الذي لم يكن مجرد جرّاح يقف خلف مشرط طبي، بل إنسان حمل رسالة رحمة قبل أن يحمل خبرته الجراحية، فكانت العمليات التي تستمر أحيانًا لأكثر من ست عشرة ساعة ملحمة صبرٍ وتكاتفٍ وإيمان بقيمة الحياة.
وما يجعل هذه الجهود أكثر عظمة أن المملكة لم تتعامل مع تلك الحالات بمنطق التكلفة أو المكاسب، بل بمنطق الواجب الإنساني الخالص، إذ تكفلت بعلاج الأطفال واستضافتهم ورعايتهم الطبية الكاملة، لتصبح السعودية وطنًا للأمل حتى لمن لم يولدوا على أرضها. إن مشهد الأمهات بعد نجاح عمليات الفصل ليس مشهدًا طبيًا فقط، بل لحظة تختصر المعنى الحقيقي للرحمة.
حين تحتضن أم أبناءها للمرة الأولى بعد أن كانوا جسدًا واحدًا، تدرك أن الإنسانية قادرة على أن تنتصر على أكثر الأقدار تعقيدًا، وأن هناك أوطانًا لا تُقاس عظمتها بما تملكه من ثروات فحسب، بل بما تمنحه من حياة. وفي كل عملية فصل، لم يكن يُنقذ جسدان فحسب، بل كانت تُعاد الطمأنينة إلى عائلة كاملة، وتُبعث الحياة من جديد في قلوبٍ أنهكها الخوف وطول الانتظار.
لقد نجحت المملكة في أن تجعل من الطب رسالة سلام، ومن الجراحة لغة إنسانية عالمية، ومن الألم بابًا يُفتح على الأمل.
لهذا لم يعد البرنامج السعودي لفصل التوائم السيامية مجرد سجل طبي حافل بالنجاحات، بل أصبح شاهدًا حيًا على أن السعودية حين تمد يدها للإنسان، فإنها تمدها بقلبٍ كامل.