د. أنس عضيبات
في عالم تضج فيه منصات التواصل الاجتماعي بصور «الحياة المثالية»، نجد أنفسنا أمام استنساخ قسري لمفهوم السعادة؛ فثمة معايير غير مكتوبة تفرض علينا أن الفرح يكمن في امتلاك الأشياء، أو السفر إلى وجهات محددة، أو بلوغ مناصب بعينها، ولكن الحقيقة التي يتجاهلها الكثيرون هي أن السعادة ليست «كتالوجاً» موحداً يُوزع على البشر بالتساوي، بل هي شعور شديد الخصوصية، يختلف تعريفه باختلاف البصمة الوراثية والظروف النفسية لكل فرد، وما يمنح أحدهم السكينة قد يمثل لآخر عبئاً أو ضجيجاً لا يحتمل.
إن محاولة قولبة السعادة ضمن أطر مادية أو اجتماعية محددة أدت إلى نشوء ما يمكن تسميته «بؤس المقارنة» فعندما يعتقد الفرد أن ثمة نموذجاً وحيداً للنجاح والرضا، يبدأ في قياس جودة حياته بمسطرة الآخرين، مما يولد شعوراً دائماً بالتقصير والركض خلف سراب لا ينتهي وهذا النمط الاستهلاكي من المشاعر جعلنا نغفل عن «السعادات الصغيرة» والذاتية، التي لا تحتاج إلى توثيق بالكاميرات أو اعتراف من المحيطين لتكون حقيقية ومؤثرة.
وتكمن المشكلة الجوهرية في أن المجتمعات الحديثة، وبدفع من الثقافة الرأسمالية، حولت السعادة إلى «سلعة» يمكن شراؤها باتباع خطوات محددة فمن دورات «التنمية البشرية» التي تبيع الوهم، إلى الإعلانات التي تربط الابتسامة بنوع السيارة أو السكن، ضاعت الفلسفة الحقيقية للرضا، حيث إن السعادة في جوهرها هي «تصالح مع الذات» وليست «تطابقاً مع المعايير»؛ هي قدرة الفرد على اكتشاف ما يجعله متسقاً مع نفسه، حتى وإن كان ذلك يخالف السائد أو المألوف في مجتمعه.
وبالنظر إلى التنوع البشري، نجد أن مفهوم الرضا يتقلب بين السكون والحركة؛ فالبعض يجد ذروة سعادته في عزلة اختيارية مع كتاب، بينما يجدها آخر في صخب الإنجاز وسط الحشود، وهذا التباين هو ما يمنح الحياة ثراءها، ويجعل من فكرة «الكتالوج الموحد» مجرد قيد فكري يمنع الناس من استكشاف شغفهم الحقيقي، كما أن التحرر من سطوة «النموذج الجاهز» هو الخطوة الأولى نحو بناء حياة تتسم بالأصالة والصدق مع النفس.
إضافة إلى ذلك، تلعب المرونة النفسية دوراً محورياً في صياغة مفهومنا الخاص عن الفرح. فالسعادة ليست حالة من النشوة المستمرة، بل هي القدرة على إيجاد المعنى حتى في قلب التحديات، وعندما ندرك أن السعادة «تفصيل يدوي» (Custom-made) نصنعه لأنفسنا وفق مقاسات أرواحنا وتجاربنا، نتوقف عن لوم الظروف أو انتظار «الوصفة السحرية» من الآخرين، ونبدأ في تقدير لحظاتنا الخاصة التي لا تشبه أحداً غيرنا.
وفي النهاية يجب أن نعيد الاعتبار للفردانية في الشعور؛ فالحياة ليست سباقاً للوصول إلى منصة تتويج موحدة، بل هي رحلة بحث شخصية عن السكينة، فالسعادة الحقيقية تبدأ حين نجرؤ على تمزيق صفحات «كتالوج» المجتمع، ونبدأ في كتابة فصولنا الخاصة بأقلامنا نحن، وإن أجمل أنواع السعادة هي تلك التي لا يمكن شرحها للآخرين، لأنها نتاج تجربة ذاتية عميقة، ولدت من رحم القناعة بأن نكون أنفسنا، لا نسخة مشوهة مما يريده العالم منا.