د. سامي بن عبدالله الدبيخي
إن بوابات المدن ليست مجرد لافتات ترحيبية متواضعة أو جسور اعتيادية كما نراه غالباً في كثير من المدن. بل هي عتبة المدينة التي تعلن بوضوح هويتها المميزة وبصمتها الحضارية، وقد عرفت المملكة في ماضيها هذا الدور جيداً، فقد كانت أبواب المدن القديمة في الجزيرة العربية تُخبر القادم عند عتبتها قبل أن يُخبره أهلها في أسواقها أو بيوتها أن هذه المدينة لها تاريخ، ولها كيان، ولها قيم، ولها ثقل حضاري.
ففي الدرعية والعُلا وجدة التاريخية بقايا لبصمات معمارية تحكي قصة الانتماء والهوية، غير أن التوسع العمراني المتسارع في العقود الأخيرة أفرز مداخل للمدن في كثير من الأحيان تفتقر إلى أي لغة تصميمية تعكس الموروث الحضاري السعودي.
البوابات القائمة حالياً إما متقادمة في تصميمها، أو مجردة من أي لغة معمارية تعكس الهوية العمرانية للمدينة السعودية الثرية بمفرداتها التصميمية الأصيلة، من الأبراج الطينية النجدية والرواشين الحجازية والقباب والأقواس المتضلعة والزخارف الهندسية الإسلامية التي تميّز هذه المدينة عن سواها، فبوابات مدينة مثل الرياض يمكن أن تحكي بصمات نجدية بكل عمقها، أما بوابات جدة فيمكن أن تستحضر البحر وموانئه التجارية العريقة، في حين يمكن أن تبهر بوابات أبها بألوان القط العسيري وزخارفه المتفردة، فلكل مدينة بصمة، ولكل بصمة بوابة. والأمر لا يتوقف عند الطابع الجمالي والمفردات التصميمية للهوية والامتداد الحضاري بل يمتد ليربط الأصالة بالحداثة ليدمج لغة العصر بما تمثله من تكنولوجيات متقدمة، فتطوير بوابات المدن يُمثّل فرصة استراتيجية حقيقية لتعزيز منظومة الأمن في المدينة، فالبوابة المُصمَّمة بذكاء تُتيح تنظيم الدخول، وتوجيه حركة المركبات، وتفعيل تقنيات المراقبة الإلكترونية ورصد الأعداد في الوقت الفعلي، وهو ما باتت تتطلبه الأحداث الكبرى والتجمعات الضخمة التي تشهدها مدن المملكة على مدار العام. البوابة الذكية ليست رفاهية، بل هي بنية تحتية أمنية بامتياز.
في ضوء رؤية 2030 التي تُعلي من شأن السياحة وتطوير البيئة العمرانية، بات تطوير مداخل المدن ضرورة لا تأجيل فيها.
الزائر الأجنبي الذي يقدم على الرياض أو جدة أو الطائف يستحق أن يُستقبَل بعمارة تُخبره أنه في بلد يحترم تاريخه ويستشرف مستقبله في آن واحد. المواطن السعودي يستحق أن يُحسّ بفخر المنتمي حين يعود إلى مدينته.
ومن هذا المنظور، فإن تحديث بوابات مدن المملكة وتطويرها تصميمياً لم يعد ترفاً بصرياً، بل هو ضرورة استراتيجية لتعزيز الاحتياطات الأمنية. وما دمنا نعيش عصر التكنولوجيا فإن البوابات المطورة يمكن أن تُصمم كـنقاط عبور ذكية، تُدمج فيها أحدث تقنيات الفرز الأمني، وأنظمة الذكاء الاصطناعي، وإدارة الزوار والحشود وحركة المرور (كما في حالتي المدينة المنورة ومكة المكرمة). العبقرية هنا تكمن في دمج هذه التكنولوجيا المتقدمة بانسيابية تامة تكسوها عباءة «عمارة المملكة» الساحرة، مما يضمن أعلى درجات الأمن والضبط دون المساس بحسن الاستقبال وتيسيره.
يُقال: إن الانطباع الأول يدوم ولا يُمحى، والبوابة هي تلك اللحظة الأولى التي يتشكل فيها هذا الانطباع الأولي عن المدينة التي نزورها. وفي ضوء إطلاق سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- خريطة العِمَارَة السعودية، آن الأوان لتأخذ بوابات مدن المملكة حجمها الحقيقي: معمارياً، وحضارياً، وأمنياً. وعليه فتطوير بوابات مدننا اليوم هو استثمار حقيقي في الصورة الذهنية للمملكة، وفي أمن وسلامة البلاد، وتجسيد حي لرؤيتنا الطموحة 2030.