سليمان داوود الرشيد
{وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ} يُعدّ الدفاع عن الوطن من أسمى الواجبات التي أكدت عليها الشريعة الإسلامية، ليس بوصفه عملاً عسكريًا فحسب، بل باعتباره مسؤولية حضارية وأخلاقية ودينية تهدف إلى حماية الإنسان والأرض والمقدسات والمكتسبات الوطنية. وقد وضع القرآن الكريم أساسًا واضحًا لهذا المبدأ العظيم في قوله تعالى: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ} (60) سورة الأنفال.
هذه الآية الكريمة تُعدّ من أعظم النصوص القرآنية التي تؤسس لمفهوم الاستعداد الشامل للدفاع عن الأوطان والأمة. فالإعداد هنا لا يقتصر على السلاح فقط، بل يشمل بناء جميع عناصر القوة التي تحتاجها الدولة لحماية أمنها واستقرارها وسيادتها. فهذه الآية ليست مجرد توجيه عسكري، بل منهج حضاري متكامل يدعو الأمة إلى القوة في كل المجالات، حتى تبقى الأوطان آمنة مستقرة قوية، قادرة على حماية مقدراتها وخدمة شعوبها وصناعة مستقبلها بثقة واقتدار. لقد أدرك المسلمون الأوائل أن السلام الحقيقي لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل ببناء القوة القادرة على ردع المعتدي وحماية الأوطان، ولذلك قامت الحضارة الإسلامية عبر تاريخها على التوازن بين الإيمان والعلم، وبين الأخلاق والقوة، وبين البناء الحضاري والاستعداد الدفاعي.
الآية الكريمة ليست مجرد توجيه عسكري، بل منهج حضاري متكامل يدعو الأمة إلى القوة في كل المجالات.
وفي عصرنا الحديث، توسع مفهوم القوة بشكل كبير، فلم يعد مقتصرًا على الجيوش التقليدية فقط، بل أصبح يشمل:
القوة العسكرية والتقنية، الصناعات الدفاعية، الأمن السيبراني، الذكاء الاصطناعي، البحث العلمي والتطوير، الأمن الغذائي والمائي، الاقتصاد القوي، الطب المتقدم، الإعلام الواعي، وحدة المجتمع وتماسكه.
ومن هنا، فإن الاستثمار في العلوم والتكنولوجيا والصناعات المتقدمة يُعد جزءًا من تطبيق هذا التوجيه القرآني العظيم، فالأمم التي تمتلك المعرفة والتقنية والقدرة الصناعية هي القادرة على حماية استقلالها وصناعة مستقبلها. ومن أهم عناصر الإعداد الحقيقي للمستقبل، الاستثمار في التعليم النوعي منذ المراحل المبكرة، خصوصًا في المرحلة الثانوية، حيث تبدأ ميول الطلاب العلمية والتقنية بالتشكل. فالدول المتقدمة تقنيًا وصناعيًا لم تصل إلى ما وصلت إليه إلا عبر بناء أجيال تمتلك أساسًا علميًا قويًا في الفيزياء والرياضيات والهندسة والإلكترونيات وعلوم الفضاء والطاقة والاتصالات.
ومن هنا تبرز أهمية تعريف الطلاب بالمبادئ العلمية الأساسية للتقنيات الإستراتيجية الحديثة، مثل:
أنظمة الرادارات والاستشعار، هندسة الطيران والفضاء، علوم الصواريخ والدفع، الأقمار الصناعية والاتصالات، الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، تطبيقات الطاقة النووية السلمية، الأنظمة الدفاعية الحديثة وتقنيات التتبع والملاحة.
إن بناء العقول العلمية الوطنية لا يقل أهمية عن بناء المصانع أو شراء المعدات، ويجب أن يكون هذا التعريف في إطار علمي وتعليمي وطني يهدف إلى تنمية المعرفة والابتكار، وتحفيز الجيل القادم على دراسة هذه التخصصات والتفوق فيها، حتى يصبح الوطن قادرًا على استيعاب ونقل وتطوير التقنيات الحديثة مستقبلًا، خصوصًا مع التوسع الكبير الذي تشهده المملكة العربية السعودية في مجالات الصناعات العسكرية، والفضاء، والطاقة، والتقنيات المتقدمة ضمن رؤية المملكة 2030.
إن بناء العقول العلمية الوطنية لا يقل أهمية عن بناء المصانع أو شراء المعدات؛ فالتقنية الحقيقية تبدأ من الإنسان القادر على الفهم والتطوير والإبداع. وعندما يمتلك الوطن كوادر علمية مؤهلة، يصبح أكثر قدرة على تحقيق الاكتفاء التقني، وتعزيز أمنه الوطني، وبناء صناعات متقدمة. ولهذا فإن إدخال البرامج العلمية التطبيقية، والمسابقات التقنية، والأندية الهندسية، والمختبرات المتقدمة في المدارس الثانوية والجامعات، يُعد خطوة إستراتيجية لصناعة جيل سعودي مبتكر، قادر على قيادة المستقبل والمساهمة في تطوير التقنيات الوطنية بكفاءة واقتدار.
حب الوطن لا يكون بالكلمات وحدها، بل بالعمل والإنتاج والعلم والاستعداد والتضحية عند الحاجة
وفي المملكة العربية السعودية، تتجلى هذه الرؤية بوضوح من خلال مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي تسعى إلى توطين الصناعات العسكرية، وتعزيز الاكتفاء الذاتي، وبناء اقتصاد معرفي متطور، ودعم الابتكار والبحث العلمي. فهذه الجهود ليست فقط مشاريع تنموية، بل تمثل امتدادًا عمليًا لمفهوم {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ}.
إن حب الوطن لا يكون بالكلمات وحدها، بل بالعمل والإنتاج والعلم والاستعداد والتضحية عند الحاجة. فالوطن الحقيقي هو الذي يسهم في قوة وطنه واستقراره وتقدمه، كلٌ في مجاله؛ المهندس بعلمه، والجندي بشجاعته، والمعلم برسالته، والباحث بابتكاره، ورجل الأعمال باستثماره.
كما أن الاستعداد لا يعني الدعوة للحرب، بل على العكس، فالقوة الحقيقية هي التي تمنع الحروب وتحفظ السلام. ولهذا جاءت الآية الكريمة لتؤكد أن امتلاك القوة يردع المعتدي ويحمي الأوطان ويحقق الأمن والاستقرار. وفي عالم يشهد تغيرات متسارعة وتحديات متزايدة، تبقى الحاجة قائمة إلى بناء أجيال واعية تدرك أن حماية الوطن مسؤولية جماعية، وأن الأمن الوطني يبدأ من الوعي والعلم والانتماء والعمل المخلص.
** **
- مهندس متقاعد شركة أرامكو السعودية