عبود بن علي ال زاحم
لفت نظري مؤخرًا مشهد مؤثر في إحدى المناسبات الرسمية حين تم تكريم أحد منسوبي إحدى الجهات بعد وفاته، وتقدّم شقيقه لاستلام التكريم نيابةً عنه. كان المشهد جميلًا ويحمل وفاءً مستحقًا لإنسان ترك أثرًا طيبًا خلال سنوات عمله، لكن وسط كلمات الإشادة والتقدير حضر في ذهني سؤال مختلف: هل شعر هذا الموظف بكل هذا التقدير وهو على رأس العمل؟
هذا السؤال لا ينتقص أبدًا من قيمة الوفاء بعد الرحيل، لكنه يسلط الضوء على قضية تعيشها كثير من بيئات العمل، وهي أن بعض المؤسسات لا تكتشف قيمة الأشخاص إلا بعد غيابهم. بعد الاستقالة تبدأ كلمات الثناء، وبعد المرض يزداد الامتنان، وبعد الوفاة تُروى الإنجازات والمواقف وكأن الإنسان احتاج أن يرحل حتى يلتفت الجميع إلى أثره الحقيقي.
الحقيقة أن كثيرًا من الموظفين لا ينتظرون تكريمًا رسميًا أو احتفالًا كبيرًا بقدر حاجتهم إلى شعور بسيط بأن ما يقدمونه محل تقدير وهم ما زالوا يعملون ويواجهون ضغوط الحياة والعمل كل يوم. فالكلمة الصادقة قد تعيد الحماس لموظف أنهكه التعب، ورسالة الشكر قد تمنح الإنسان طاقة للاستمرار، والإنصاف أمام الآخرين قد يصنع انتماءً لا تحققه الحوافز وحدها.
هذه القضية لا ترتبط فقط بالجانب الإنساني، بل ترتبط أيضًا بثقافة المنظمة وإدارتها للتغيير، فالمنظمات اليوم تتحدث كثيرًا عن التحول والتطوير وتحسين تجربة الموظف وبناء بيئات عمل جاذبة، لكن أي تغيير تنظيمي حقيقي لن ينجح إذا كانت ثقافة التقدير غائبة أو مؤجلة.
إدارة التغيير لا تبدأ بالأنظمة والتقنيات الجديدة فقط، بل تبدأ من فهم الإنسان داخل المنظمة وتقدير أثره وتعزيز شعوره بالقيمة والانتماء. لأن الموظف الذي يشعر بالتجاهل مهما كان محترفًا سيصبح أقل حماسًا للتغيير وأقل ارتباطًا بالمكان الذي يعمل فيه، بينما الموظف الذي يشعر بالتقدير يكون أكثر استعدادًا للعطاء وأكثر قدرة على التكيّف مع التحولات الجديدة.
ولهذا تركز كثير من نماذج إدارة التغيير الحديثة على التواصل والاحتواء والتمكين والتقدير باعتبارها عناصر أساسية لنجاح أي تحول مؤسسي. فالتغيير الحقيقي لا يُبنى فقط على الخطط والاستراتيجيات، بل على الثقة التي تتشكل بين الموظف ومنظمته، وعلى شعوره بأن جهده مرئي ومقدّر.
لا ينبغي أن يؤجل الامتنان حتى حفلات الوداع، ولا تنتظر الغياب حتى تتحدث عن قيمة الأشخاص، بل تجعل التقدير جزءًا من ثقافتها اليومية لأن الكلمة الصادقة في وقتها قد تصنع ولاءً وتحافظ على الكفاءات وتمنح الإنسان دافعًا للاستمرار.
وربما كان أكثر ما جعل ذلك المشهد مؤثرًا أن الجميع أدرك في داخله حقيقة بسيطة، وهي أن أجمل تكريم قد يحصل عليه الإنسان ليس ذلك الذي يُقال بعد رحيله، بل ذلك الذي يسمعه بنفسه ويشعر به بقلبه وهو لا يزال حاضرًا في مكان عطائه.