أحمد بن محمد الغامدي
ما إن تطأ قدمك مكة المكرمة في هذه الأيام المباركة، حتى تدرك أنك لست في تجمع بشري هو الأكبر عالمياً فحسب، بل أنت في قلب تظاهرة كبرى من الحب والحنان، هنا، على هذه الأرض الطاهرة، تتلاشى لغات البشر لتتحدث سواعد أبناء وبنات المملكة بلغة واحدة يفهمها الجميع: لغة الخدمة، والرفق، والترحاب بضيوف الرحمن.
هذا العام، لا تقاس جهود المملكة في موسم الحج بالأرقام والمشاريع الضخمة فحسب -رغم عظمتها- بل تُقاس بـ«اللمسة الإنسانية» التي ترافق كل حاج منذ لحظة وصوله وحتى وداعه، إنها قصة وطن سخر روحه وقدراته ليكون الأخ والأب والابن لكل من شد الرحال تلبية لنداء الخليل إبراهيم.
تبدأ الحكاية من بوابة الوطن، حيث يستقبل رجال الأمن وموظفو الموانئ الحجاج بابتسامة دافئة ووردة، وماء زمزم البارد الذي يطفئ ظمأ السفر، في هذا العام، تجلت إنسانية الخدمة في أبهى صورها؛ ولم يعد التنقل مجرد منظومة قطارات وحافلات حديثة، بل بات رحلة تراعى فيها أدق تفاصيل الراحة النفسية والجسدية، لسان حال الجميع يردد للحاج بقلب صادق: «أنتم أهل الدار ونحن الضيوف».
تأمل كيف يتحول رجل الأمن في المشاعر المقدسة من حارس للخطط التنظيمية إلى نبع من الرفق والإنسانية؛ تجده تارةً يرش رذاذ الماء البارد على وجوه أتعبها الهجير، وتارةً أخرى يجسد معنى «الفزعة» السعودية في أبهى صورها؛ حين ينحني ليساعد مسناً أثقلت السنون خطاه، أو يحمل طفلاً تاه عن والديه ليعيده إليهما والابتسامة لا تفارق محياه، هذه اللقطات العفوية ليست مجرد واجهة إعلامية، بل هي عقيدة راسخة في وجدان كل مواطن تشرف بخدمة الحرمين.
وفي الجانب الصحي، تتجاوز الخدمات مفهوم «العلاج» إلى مفهوم «الرعاية الأبوية»، مستشفيات ومراكز صحية مجهزة بأحدث ما توصل إليه العلم، تنتشر كالأطواق الآمنة حول الحجاج، ففي هذا الموسم، تُسطر الكوادر الطبية ملاحم إنسانية لا تُنسى؛ أطباء وممرضون يسهرون الليالي، ويستقبلون المريض بوجه بشوش، لا يسألونه عن جنسيته أو لغته، بل يحيطونه برعاية تنسيه غربته وآلامه، في مشهد يجسد أسمى قيم التكافل البشري.
التكنولوجيا في خدمة القلوب
ولم تغب التقنيات الذكية عن المشهد الإنساني، بل سُخرت لتعميق الطمأنينة، من خلال مبادرات «بطاقة شعائر» والمنصات الرقمية المتطورة، تلاشت مشقة البحث والانتظار، أصبح بإمكان الحاج معرفة مساره، وتلقي الإرشادات بلغته الأم، والحصول على التوعية الطبية والدينية بضغطة زر، مما أتاح لضيوف الرحمن تفرغاً تاماً للعبادة والاتصال بالخالق، بعيداً عن مشتتات التنظيم.
إن ما تقدمه المملكة، بإشراف مباشر من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، ومتابعة ولي عهده الأمين رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله-، يتجاوز الواجب السياسي والتنظيمي ليكون رسالة حب وسلام من مهبط الوحي إلى العالم أجمع، هي ملحمة تتوارثها الأجيال؛ حيث يقف ابن مكة وابن المدينة وابن كل مدينة سعودية متطوعاً، باذلاً وقته وجهده، لسان حاله يقول للحاج: «أبشر بالسعد، أنت في وطنك، وبين أهلك».