د. طلال الحربي
لم تكن خدمة الحرمين الشريفين يوماً مجرد واجب إداري أو التزاما بروتوكوليا تؤديه الدولة تجاه ضيوفها، بل هي في حقيقتها رسالة وجودية تتجذر في صميم الهوية الوطنية السعودية، وتنبع من إيمان عميق بأن هذه البقاع المقدسة، وأن القائمين على خدمتها إنما هم أمناء على أقدس أمانة عرفتها البشرية منذ فجر التاريخ. وحين يهلّ موسم الحج في كل عام تنبض المملكة العربية السعودية بكل كيانها، وتتحرك بكل ثقلها الحضاري والإنساني والمؤسسي، في مشهد لا نظير له في تاريخ الاحتضان الإنساني الجماعي.
إن المملكة العربية السعودية حين تفتح أبوابها لملايين الحجاج القادمين من كل صقع من أصقاع المعمورة، إنما تُعبّر في كل موسم عن انتمائها الأصيل إلى هذه الأمة، ومنزلتها الرفيعة التي أولاها إياها الله سبحانه وتعالى. وقيادتها الحكيمة، ممثلةً في خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين، تتعامل مع هذا الشرف العظيم بوصفه مسؤولية ذات بُعد إلهي قبل أن تكون تكليفاً وطنياً، فيضخ في كل وزارة وكل جهاز وكل هيئة روحاً من الانتماء إلى الخدمة الخالصة التي لا تعرف تقصيراً ولا تقبل دون الكمال بديلاً.
ولو تأمل المرء المشهد في مجمله، لوجد أن المملكة لا تخدم الحجاج بمؤسسة بعينها أو قطاعا محددا، بل تنفر إليهم بكامل منظومتها الوطنية في تناغم نادر يُعجز الواصفين، فوزارة الصحة تنتشر بعشرات الآلاف من الكوادر الطبية المتخصصة، وتُنشئ المستشفيات الميدانية في قلب المشاعر المقدسة، حاملةً على عاتقها سلامة أرواح لا تنتمي إلى جنسية واحدة ولا تتحدث بلغة مشتركة، غير أن لغة الإنسانية تجمعها جميعاً تحت رعاية الكادر الصحي السعودي المخلص. ووزارة الداخلية وأجهزتها الأمنية تبسط مظلة الأمان على هذا الحشد الإنساني الهائل، فتحوّل حضور الملايين إلى نظام يضرب به المثل، وتجعل من التحدي اللوجستي المستحيل واقعاً يسير تفخر به الإنسانية جمعاء. ووزارة النقل تمدّ شرايين حركة لا تهدأ، تنقل الحجاج بين المشاعر المقدسة في هدوء مُنظَّم، كأن كل قطار يحمل في ثناياه جزءاً من روح هذه الأمة المهداة، وكل وزارةً وهيئة وقطاع وكل أجهزة الدولة تساهم في خدمة ضيوف الرحمن.
وما أروع المشهد حين تنهض مناطق المملكة بأسرها لتكون في خدمة هذا الموسم المبارك! فمن أبها إلى الجوف، ومن تبوك إلى نجران، تتحرك الكفاءات البشرية والطاقات المؤسسية نحو مكة المكرمة والمدينة المنورة، كأن الوطن كله يتوحد في نبضة واحدة اسمها خدمة ضيوف الرحمن. والمواطن السعودي نفسه يؤدي دوراً لا يُستهان به في هذه المعادلة الإنسانية الكبرى، فيستقبل ضيف الله بقلب مفتوح وصدر رحب، مُجسّداً بسلوكه العفوي أسمى معاني الكرم العربي الأصيل والأخوة الإسلامية الخالصة.
وقد أدركت المملكة مبكراً أن إدارة ملف الحج في عصر التحولات الكبرى لا يمكن أن تقتصر على الاجتهادات التقليدية، فانطلقت بعزم نحو تطوير منظومة خدمات الحجاج بأدوات العصر وتقنياته. فأطلقت المبادرات الذكية لإدارة الحشود، وسخّرت الذكاء الاصطناعي في خدمة السلامة، وحوّلت التخطيط اللوجستي إلى علم قائم بذاته، تتراكم خبراته عاماً بعد عام في مسار تصاعدي لا يعرف التوقف، وكل ذلك انعكاس لرؤية 2030 التي أعادت رسم ملامح الطموح الوطني، فجعلت من خدمة الحرمين الشريفين محوراً استراتيجياً يُعظَّم فيه الأثر الإنساني ويُرسَّخ فيه الريادة الحضارية.إن ما تقدمه المملكة العربية السعودية في موسم الحج لا يمكن اختزاله في أرقام الميزانيات أو إحصاءات الكوادر، وإن كانت تلك الأرقام وحدها كفيلة بأن تُذهل العقول وتُدهش الألباب، فالحقيقة الجوهرية تكمن في أن ثمة شعباً بأسره يرى في خدمة ضيوف الرحمن قربةً إلى الله قبل أن تكون واجباً نحو الإنسان، ودولةً تُعبّئ كل إمكاناتها بدافع من إيمان راسخ وانتماء لا يتزعزع. وفي هذا المعنى العميق يكمن السر الحقيقي وراء ما يُشهده موسم الحج كل عام من عظمة لا تصنعها الموارد وحدها، بل تصنعها الروح التي تتشربها كل مؤسسة وكل مسؤول وكل مواطن في هذا البلد المبارك.
تتشرف المملكة العربية السعودية بضيوف الرحمن، وبهذا الشرف تعتز وتفخر، وفيه تجد معنىً آخر لوجودها الحضاري ومكانتها الرسالية بين أمم الأرض.