مشعل الحارثي
غمط الكثير من الباحثين والدارسين في كتبهم وأبحاثهم المرأة عند حديثهم عن الرحلات الحجية، ولم يأت عليها البعض إلا لمما حتى اعتقد الكثيرين أن هذه الرحلات حكر على الرجال فقط،، ولم يكن للمرأة نصيب منها، وبخلاف ما أثبته التاريخ في وقائعه وسجلاته.
وبالرغم من أن رحلات الرجال فاقت بكثير رحلات المرأة في الكم والكيف والمدى الزمني إلا أن التاريخ والمنقبين في ثناياه وزواياه سيجدون أنه وعلى مر العصور يحدثنا عن الكثير من رحلات النساء الاستثنائية التي تساوت فيها المرأة مع الرجل في مشقة الرحلة وزمنها ودوافعها، وإن تباينت بينهما الاهتمامات والمشاهدات وأسلوب عرضها لمادة الرحلة، إلا أنها في المحصلة تعتبر اضافة مفيدة ومصدراً تاريخياً مهماً، وبابا لفهم تاريخ الحج من منظور نسائي يجمع بين الروحانية والوصف والتوثيق التاريخي لبعض الجوانب الاجتماعية والثقافية في المدينتين المقدستين مكة المكرمة والمدينة المنورة.
وقد تناولت كتابات النساء في رحلات الحج في مجملها وصف المشاعر الروحانية لرؤية الكعبة والطواف، وتجربة الوقوف بعرفة، والتوثيق الدقيق لصعوبات السفر، وتدابير السلامة، ورصد لجوانب من عادات أهل مكة، وتفاعل الحجاج من مختلف الثقافات، وعكست العديد من جوانب العطاء والأعمال الخيرية لتسهيل هذه الرحلة المقدسة على ضيوف الرحمن.
ولعلنا نأتي هنا، ومن باب الوفاء لهؤلاء السيدات الفاضلات من زائرات البلد الحرام على ذكر أمجادهن ومأثرهن الجليلة في الاراضي المقدسة، ومن خلال هذا العرض الموجز لأبرز تلك الرحلات والأسماء النسائية التي خلدت في صفحات التاريخ.
أم المؤمنين السيدة عائشة
في صدر العصر الإسلامي تأتي أم المؤمنين السيدة عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها في مقدمة هؤلاء النساء على الرغم من أنها لم تكتب كتاباً خاصا عن رحلتها الى الحج، إلا أن مروياتها ومواقفها في حجها مع النبي صلى الله عليه وسلم في (حجة الوداع) في العام التاسع للهجرة تعتبر من أدق ما نُقل عن مناسك الحج وفقهه، وجاءت فيه على ذكر العديد من التفاصيل التي تخص حج المرأة ونسك العمرة ودونتها ووثقتها المئات من كتب الفقه والحديث، وتبعها في ذلك العديد من الصحابيات المهاجرات مثل أم سلمة رضي الله عنها، واللواتي خضن رحلة الهجرة التاريخية من مكة إلى المدينة ومنها إلى مكة لأداء المناسك وكان لهن أيضا مروياتهن وأحاديثهن عن الحج.
رحلة السيدة زبيدة
ويخبرنا التاريخ أيضا عن رحلة فريدة من نوعها وأثارها الكبيرة لخدمة الإسلام والمسلمين وذلك عام 186هـ/ 802م للسيدة زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور، ابنة عم هارون الرشيد وزوجته وابنة خالته في الوقت نفسه، وأمها هي سلسلة شقيقة الخيزران بنت عطاء، وهي أم الخليفة محمد الأمين. وصاحبة أشهر رحلة حج أنفقت فيها أموالاً طائلة لخدمة الحجاج، حين لاحظت معاناة الحجاج في الحصول على الماء الصالح للشرب فأمرت بإنشاء «درب زبيدة» الذي يمتد من العراق إلى مكة المكرمة، وزودته بالمحطات والآبار وبرك المياه لتوفير الشرب والأمان لقاصدي البيت الحرام .
كما اجرت عين زبيدة التي لا زالت تحمل اسمها وتخلّد ذكرها إلى يوم الدين، وأصل هذه العين من وادي نعمان الواقع شرق مكة المكرمة في الطريق إلى الطائف، ولتحقيق ذلك أمرت مهندسي الدولة بدراسة إمكانية توفير الماء للحجاج من هذه العين، فأشاروا عليها أن الأمر ممكن إلا أنه صعب، إذ يحتاج لحفر أقنية بين السفوح وتحت الصخور لمسافة ليست بالقصيرة بل تستمر لأكثر من عشرة أميال، وأن هذا الأمر سيكلّف كثيرا، لكنّها لم تتردّد في ذلك، فأمرت وكيلها بالشروع في تنفيذ هذا المشروع، وأحضروا أكفأ المهندسين للقيام بالأمر، حتى وصلوا لنبع المياه في الجبال وأوصلوه بعين حنين بمكة، وقد بذلت السيدة زبيدة في هذا المشروع الكثير من المال، وقالت قولتها المشهورة لكبير المهندسين حين أبلغها أن النفقات كثيرة لهذا المشروع، فأجابته: «اعمل ولو كلفتك ضربة الفأس دينارًا، وقد بلغ طول هذه العين عشرة أميال تقريبًا، أو ما يعادل ستة عشر كيلو مترًا. وقيل إنه بلغ مجموع ما أنفقته السيدة زبيدة على هذا المشروع: 1,700,000 مثقال من الذهب، أي ما يساوي 5,950 كيلو جرام. ولما تمّ عملها اجتمع العمال لديها، وأخرجوا دفاترهم ليؤدوا حساب ما صرفوه، وليبرّئوا ذممهم من أمانة ما تسلموه من خزائن الأموال، وكانت السيدة «زبيدة» في قصر مطلٍّ على دجلة، فأخذت الدفاتر ورمتها في النهر، قائلة: «تركنا الحساب ليوم الحساب؛ فمن بقي عنده شيء من المال فهو له، ومن بقي له شيء عندنا أعطيناه، وألبستهم الخِلَع والتشاريف، وقد تحدث عن آثارها الخالدة الكثير من المؤرخين والرحالة العرب ومنهم ابن جبير في رحلة حجه المشهورة، في القرن الثامن الهجري/الخامس عشر الميلادي، قادما من الأندلس للحج، فقال: «وهذه المصانع والآبار والمنازل التي من بغداد إلى مكة، فهي من آثار زبيدة ابنة جعفر، انتدبت لذلك مدة حياتها، فأبقت في هذه الطريق مرافق ومنافع تعم وفد الله تعالى، كل سنة من لدن وفاتها إلى الآن، ولولا آثارها الكريمة في ذلك لما سلكت هذه الطريق، والله كفيل بمجازاتها والرضا عنها».
رحلة الخيزران زوجة المهدي
ومن زائرات البيت الحرام في موسم الحج وأول من النساء الفضليات الخيزران زوجة أمير المؤمنين المهدي الخليفة العباسي، فقد كانت سيدة جليلة القدر في قصر الخلافة أيام المهدي، ورأت أن تحج الى بيت الله الحرام فتهيأ لها من الموكب الحاشد ما يناسب قدرها العظيم كزوجة لأمير المؤمنين، وقد حملت من بغداد من طرائف الغذاء والكساء وبدرات المال، ما كان حديث الرائح والغادي في الموسم المشهود كما قامت بإنشاء اول معهد ديني سمي باسمها دار الخيزران في دار الأرقم بن أبي الأرقم بعد أن اشترت الدار واحملها واحاطتها بسور متين ثم توالى تجديدها من بعد ذلك.
وحين قصدت الخيزران المدينة المنورة لزيارة صاحب الروضة الشريفة (صلى الله عليه وسلم ) رأت أن تكسو الحجرة الطاهرة بستائر حريرية مرصعة بالألوان الزاهية، وهي أول من كسا الحجرة الشريفة، وفرقت كثيرًا من الصدقات بهذه المناسبة.
رحلة الملكة شجرة الدر
أدت الملكة المصرية شجرة الدر فريضة الحج برا في رحلة تاريخية مهيبة عام 648هـ - 1250م عبر «طريق الحج المصري»، وتميزت رحلتها برعاية قوافل الحجيج، حيث أمرت بإصلاح طريق الحاج المصري وبناء البرك وحفر الآبار وتوزيع الهدايا والمساعدات على المحتاجين على طول الطريق، وأصبحت هذه الرحلة فيما بعد محطة فارقة في التاريخ الإسلامي؛ إذ أدت إلى ابتكار تقليد «المحمل المصري» الذي كان يحمل كسوة الكعبة في كل عام.
رحلة أم الخديوي عباس الثاني
وما دام الحديث عن مصر فنود ان نشير إلى رحلة «أم الخديوي عباس الثاني» إلى مكة بصحبة ولدها الخديوي في موكب حاشد، خاص بسيدات البيت الحاكم من الأميرات والنبيلات، وقد بذلت في هذه الرحلة من العطاء الشيء الكثير والكثير.
رحلة الأميرة المغربية خناسة
وممن قصدن البيت الحرام للحج أيضا أميرة مغربية تسمى «خناسة بنت الشيخ بكار المعفري»، زوجة السلطان «إسماعيل بن محمد العلوي» المتوفى سنة 1139، وذكر الزركلي في كتابه الأعلام: «إنها حجت عام 1142 وكانت سيرتها مطوية حتى ظهر ذكرها وأعمالها في مخطوط الإسحاقي في خزانة القرويين والذي يتحدث عن أمجادها الكثيرة، ومما قاله عن رحلتها إلى الحج: «إنها آثرت أشراف ينبع بعطاياها الفاخرة، وهدايا سنية لم يعرفوها من ذي قبل، وكستهم أنواع الثياب الرفيعة علاوة على المبالغ النقدية الذهبية الباهظة، كما روي عنها أنها أغدقت خيراتها على سائر رجال العلم والفضل بمكة المكرمة ليلة فتح البيت المبارك خصيصًا لها من لدن شريف مكة، وقد دفعها حب الخير إلى اقتناء عقار بمكة يقع في أشرف بقعة بما يناهز الألف مثقال من الذهب، حبستها على جماعة من المقربين والطلبة، وكتب بذلك حجة للمعنيين بالأمر، وعينت ناظرًا يسهر على ريع الوقف وتوزيعه.
رحلة حج حاكمة بوبال
قامت حاكمة بوبال الهندية (النواب اسكندر بيغم) والتي تُعرف ايضا بـ»المرأة الحديدية» لقوتها وإصلاحاتها الإدارية والعسكرية في بوبال، برحلة للحج عدها البعض حدثاً تاريخياً بارزاً في القرن التاسع عشر، حيث كانت أول حاكمة هندية تؤدي فريضة الحج.
وكانت قد بدأت رحلة حجها بتاريخ 22 جمادى الأولى 1280هـ - الموفق نوفمبر 1863م، وانطلقت في قافلة ضخمة ضمت حوالي 1500 شخص من أهل بوبال، وغالبيتهم من النساء، بما في ذلك والدتها (قدسية بيغم) وخالها، وانطلقت من بوبال براً إلى مدينة (مومباي)، ومنها استقلت سفينة بخارية عبر بحر العرب إلى جدة، ثم توجهت إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، وحملت معها في رحلتها العديد من الهدايا والحلي التي وزعتها على الفقراء.
كما وثقت اسكندر بيغم رحلتها في كتاب بعنوان «حج الأميرة: نواب اسكندر بيجوم رحلة إلى مكة» الذي نشر باللغة الأردية، وتُرجم لاحقاً إلى الإنجليزية، ويعد وثيقة تاريخية هامة تصف أحوال الحجاز في تلك الفترة.
رحلة الليدي إيفلين كوبولد (زينب)
وقامت البريطانية ليدي إيفلين كوبولد (زينب): التي اعتنقت الإسلام، برحلة حج عام 1933، وقد حصلت على تصريح استثنائي لأداء المناسك بتدخل من سفير المملكة العربية السعودية في لندن حينها الشيخ حافظ وهبة والذي بدوره استأذن الملك عبد العزيز آل سعود للموافقة على سفرها، لتصبح أول امرأة أوروبية تخوض هذه التجربة، وتم توثيق رحلتها في كتابها الشهير بعنوان: (الحج إلى مكة)، وصفت فيه مشاعرها وتجربتها بدقة، وكتبت عن عظمة الكعبة والطواف، والسكينة التي غمرتها في المدينة المنورة والمشاعر الفياضة عند جبل عرفات. وتعتبر أول امرأة بريطانية توثق رحلة حجها، وكانت سيدةً نبيلةً تتمتع باحترام كبير في المجتمع البريطاني، توفيت في لندن عام 1963، وأوصت بأن تُدفن في جبال اسكتلندية وأن تُنقش على شاهد قبرها الآية الكريمة: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}.
رحلة بنت الشاطئ
وفي العصر الحديث أيضا وعلى النطاق العربي فقد وثّقت الأديبة المصرية عائشة عبد الرحمن، المعروفة بـ «بنت الشاطئ»، رحلاتها الإيمانية إلى الأراضي المقدسة في كتاب مميز حمل عنوان «أرض المعجزات رحلة في جزيرة العرب» ويُعد أحد أهم المراجع الأدبية التي وصفت رحلات الحج في منتصف القرن العشرين وفيه رصدت مشاعرها وأحاسيسها الدقيقة في الحج، ووصفت مشاهد الحجاج وهم يتجردون من زينتهم ومناصبهم أمام بيت الله الحرام، قائلة : «إن الناس يسعون إلى البيت العتيق مُحرمين متطهرين خاشعين قانتين، وقد تجردوا من كل زينة وجاه، وطرحوا عنهم ما يتفاخرون به من أزياء وألقاب ورتب ومناصب، وتخففوا من الأثقال المادية التي تئد روح الإنسان وتخنق فيه هيامه الفطري بالحق والخير والجمال، وجاؤوا إلى بيت الله الحرام في زي الإحرام شبه عراة وشبه حفاة، وتماحت بينهم فروق الألوان والأجناس والعناصر والطبقات والدرجات واستوى الملوك والرعايا والأمراء والدهماء والرؤساء والأتباع، فليسوا جميعاً سوى عباد الله تعالى وما يتفاضلون إلا بالتقوى وحدها».
وتميز ت كتابتها بوصف المشاعر الإيمانية العميقة، والتأمل في التاريخ، ورصد التغيرات التي شهدتها المملكة العربية السعودية، حيث مزجت بين التوثيق الصحفي والوجدان الروحي .
وكان كتابها هذا حصيلة رحلتين للحج قامت بها الأولى بتاريخ 1932م، والثانية عام 1951م، وحالفها الحظ في رحلتها الاخيرة برعاية جلالة الملك فيصل بن عبد العزيز رحمه الله لهذه الرحلة التي ضمت عدداً من الأدباء والمثقفين المصريين.
وإضافة لما سبق الحديث عنه من نماذج فقد وثقت المصادر التاريخية رحلات حجية اخرى لأميرات وشخصيات نسائية، كرموز للإيمان والصلاح خلال فترة سفرهن للحج وكما جاء في رحلة ابن جبير الأندلسي التي تحدثت عن ثلاث سيدات كريمات من البيت السلجوقي الشهير، قمن بالحج أثناء مقدم ابن جبير وهن الملكة خاتون بنت الأمير مسعود السلجوقي. والأميرة «أم عز الدين» صاحب الموصل، والأميرة ابنة الدقوس صاحب أصبهان، وكلهن صاحبات فضل غامر، ومنافسة كبيرة في أعمال البر.
لقد كان للمرأة في الحياة وبصفة عامة وفي التاريخ الإسلامي وبصفة خاصة الأثر الأكبر ليس على مجريات الأحداث السياسية فقط، وإنما في الجوانب الاجتماعية والإنسانية، وأثبتت عبر التاريخ أن لها مكانتها الخاصة التي استطاعت بها أن تصنع لها اسما يخلدها، على مدى الدهر بما قدمته من اعمال لخدمة البشرية جمعاء.