د. سالم بن محمد آل جفشر
ليست خدمة ضيوف الرحمن في المملكة العربية السعودية عملاً موسمياً محدوداً بأيام الحج بل هي رسالة دولة وشرف قيادة ومسؤولية دينية ووطنية وإنسانية تتجدد عاما بعد عام فمنذ تأسيس المملكة على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود طيب الله ثراه وحتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز حفظهم الله ظلت خدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما في مقدمة الأولويات الكبرى حين نتحدث عن الحج في السعودية فنحن لا نتحدث عن تنظيم موسم فحسب بل عن منظومة دولة تبدأ قبل وصول الحاج إلى أرض المملكة فمن سفارات المملكة وقنصلياتها في الخارج تتشكل الصورة الأولى عبر التأشيرة وتوضيح الشروط والتعليمات والمتطلبات النظامية والصحية والتنظيمية وهناك يدرك ضيف الرحمن أنه أمام دولة جعلت خدمته شرفا ومسؤولية لا إجراء عابرا
فمنذ تلك اللحظة يبدأ الحاج في لمس معنى التيسير السعودي فكل معلومة واضحة وكل إجراء منظم وكل تعامل راق يصنع لديه ثقة مبكرة وطمأنينة عميقة ثم يتأكد هذا الانطباع عند وصوله إلى منافذ المملكة حيث يجد حفاوة الاستقبال وسلاسة الإجراءات وتكامل الخدمات الصحية واللوجستية والإرشادية فيشعر أن رحلته الإيمانية تدار بمنظومة تعرف احتياجه قبل أن يطلبه وتسبق تعبه بالخدمة وتسبق قلقه بالتنظيم فكلما تقدم الحاج في رحلته تعمقت لديه صورة وطن يُسخر إمكاناته لخدمة الإنسان، خدمات صحية حاضرة ونقل منظم وإرشاد بلغات متعددة وفرق ميدانية ومنصات رقمية وحفاوة إنسانية تجعل الحاج يشعر أنه ليس رقما في حشود بل ضيف كريم له حق الرعاية والاحترام والتيسير.
لقد تحولت خدمة ضيوف الرحمن في المملكة إلى نموذج عالمي في الإدارة والتنظيم والتخطيط لأن الحج ليس تجمعا عاديا بل أعظم مشهد إيماني يتكرر كل عام يجتمع فيه الملايين من مختلف الجنسيات واللغات والثقافات في زمان واحد ومكان محدود ومع ذلك تقدم المملكة في كل موسم صورة أكثر تطورا وانضباطا وكفاءة في الأمن والسلامة والصحة والنقل والإعاشة والإرشاد ولا تقف هذه الخدمة عند موسم الحج وحده فالحرمين الشريفين يستقبلان على مدار العام عشرات الملايين من المعتمرين والمصلين والزوار بما يجعل حجم القاصدين والخدمات المقدمة يتجاوز حاجز المئة مليون سنويا وهذا الاتساع الهائل يفسر حجم الإنفاق الضخم والاستعداد المبكر والتكامل الكبير بين القطاعات الأمنية والصحية والخدمية والتقنية والإعلامية.
وفي قلب هذه المنظومة العظيمة يقف رجال الأمن السعوديون عنوانا للفخر والانضباط والتضحية فهم لا يظهرون في موسم الحج كقوة نظامية فحسب بل كوجه إنساني نبيل للدولة السعودية يرشدون التائه ويساعدون الكبير ويحملون المرهق وينظمون الحشود ويحفظون الأمن ويتحملون حرارة المكان وثقل المسؤولية بروح عالية وإيمان عميق بأن خدمة الحاج شرف قبل أن تكون مهمة.
رجل الأمن في الحج جزء من رسالة المملكة تراه ثابتا في الميدان حاضرا في الزحام رحيما بالضعفاء حازما عند الحاجة مبتسما رغم التعب مدركا أن كل خطوة ينظمها وكل حاج يساعده وكل طريق يفتحه وكل خطر يمنعه هو عمل عظيم في ميزان الوطن والدين والإنسانية ولهذا فإن الثناء على القطاعات الأمنية ليس مجاملة بل إنصاف مستحق للأمن العام وقوات أمن الحج والدفاع المدني والمرور والجوازات وقوات الطوارئ والهلال الأحمر وكل القطاعات المساندة التي تحمي قدسية المكان وسلامة الإنسان وصورة المملكة أمام العالم.
ومع عظمة هذه الجهود فإن المسؤولية لا تقع على رجال الأمن وحدهم فالمواطن السعودي الشريف هو رجل الأمن الأول وشريك الدولة في حماية هذا الشرف العظيم يساند ويتعاون ويلتزم ويحترم الأنظمة ويتجنب الشائعات ويقدم الصورة المشرفة لوطنه ويدرك أن خدمة ضيوف الرحمن واجب وطني يشترك فيه كل من ينتمي لهذه الأرض المباركة.
ختاما: ستبقى خدمة ضيوف الرحمن شرفا سعوديا خالدا وستبقى المملكة بقيادتها وشعبها ورجال أمنها وقطاعاتها عنوانا للأمان والكرم والتنظيم وفي كل موسم حج تثبت السعودية أنها لا تدير حدثا عابرا بل تحمل رسالة خالدة ولا تستقبل أعدادا فقط بل تخدم ضيوف الرحمن وتبني أثرا باقيا في ذاكرة العالم الإسلامي فحين يقف الحاج في المشاعر المقدسة آمنا مطمئنا وخلفه دولة لا تنام ورجال أمن لا يتعبون ومواطنون شرفاء يساندون عندها نفهم معنى هذه الملحمة السعودية العظيمة قيادة تبذل وقطاعات تعمل ورجال أمن يسهرون ومواطن يساند ووطن كامل يتشرف بخدمة ضيوف الرحمن.
** **
- أستاذ الإعلام والاتصال بجامعة جازان