د. رنا بنت عبدالله الغامدي
قبل سنوات، كان الناس يربطون العصبية، أو السمنة، أو حتى حب السهر بسؤال عابر يتكرر في جلسات العائلة: «هل هذا الطبع وراثة؟». كانت تُقال غالبًا على سبيل المزاح، لكنها اليوم تحولت إلى نقاش علمي وثقافي واسع من المختبرات العلمية إلى مقاطع التواصل الاجتماعي التي تتحدث باستمرار عن جين للعبقرية، وجين للغضب، وجين للكسل، وكأن طباع الإنسان مشروع بيولوجي مكتوب مسبقًا داخل شيفرة لا يملك صاحبها حق تعديلها. فالطباع، والأمراض، وحتى الميول الشخصية، قد تبدو أحيانًا وكأنها نتيجة حتمية لحروف مختبئة داخل الحمض النووي. هذا الانبهار الحديث بالجينات جعل كثيرين ينظرون إلى الحمض النووي باعتباره القوة الخفية التي تتحكم في شخصياتنا وقراراتنا وحتى مصائرنا الصحية. لكن هل نحن فعلًا أسرى لجيناتنا؟
كشف علم الوراثة عن جينات ارتبطت إحصائيًا ببعض الصفات والسلوكيات. ومن أشهرها جين MAOA المعروف إعلاميًا بـ«جين المحارب»، إذ ربطت بعض الدراسات بعض طفراته بزيادة الاندفاع أو السلوك العدواني، خاصة عند اقترانه بطفولة قاسية. والمثير أن الجدل حول هذا الجين تجاوز المختبرات إلى ساحات القضاء، بعدما استندت بعض فرق الدفاع في قضايا جنائية إلى وجود هذه الطفرات للمطالبة بتخفيف الأحكام، وهذه معضلة أخلاقية معقدة في تقييم مسؤولية الإنسان عن سلوك قد تكون البيولوجيا ساهمت جزئيًا في تشكيله؟
هل تساءلتم لماذا يشعر بعض الأشخاص بحاجة لا تُقاوم للمغامرة، أو السفر وحيدًا، أو خوض تجارب جديدة باستمرار؟ حاولت بعض الدراسات تفسير ذلك من خلال جينات مثل DRD4، الذي ارتبط بالسعي وراء الإثارة والمغامرة حتى أطلق عليه بعض الباحثين اسم «جين المغامر».
وفي الجانب الصحي، ظهرت جينات شهيرة ارتبطت بزيادة احتمالية الإصابة ببعض الأمراض، مثل BRCA المرتبط بسرطان الثدي والمبيض، أو جين APOE4 الذي يرتبط بزيادة خطر الإصابة بمرض ألزهايمر. لكن العلوم الحديثة لم تعد تنظر لهذه الجينات باعتبارها «أحكامًا نهائية»، بل باعتبارها عوامل تزيد القابلية فقط، دون أن تضمن حدوث المرض. وهنا يظهر واحد من أكثر المجالات العلمية إثارة في العقود الأخيرة: علم «الوراثة فوق الجينية» أو Epigenetics، وهو المجال الذي يدرس كيف يمكن للبيئة ونمط الحياة والتغذية والضغوط النفسية وحتى جودة النوم أن تؤثر على طريقة عمل الجينات نفسها. بمعنى آخر، الجينات ليست أزرارًا تعمل تلقائيًا طوال الوقت، بل يمكن لبعضها أن يُفعّل أو يُثبّط وفقًا للظروف المحيطة. والأهم أن بعض التغيرات فوق الجينية قد تترك «بصمة بيولوجية» تمتد آثارها لأجيال لاحقة، تساهم في فهم العلاقة المعقدة بين البيئة والوراثة.
وعلى المستوى الوطني، تواكب المملكة العربية السعودية هذا التحول من خلال «برنامج الجينوم السعودي» الذي دُشّن عام 2018 ضمن مبادرات رؤية 2030. ومن موقعي كباحثة في علوم الخلية الجزيئية والتقنيات الحيوية، تابعت هذا المشروع باهتمام خاص منذ انطلاقته. يسعى البرنامج إلى فك الشيفرة الوراثية للمواطنين السعوديين وبناء قاعدة بيانات جينية وطنية شاملة، بهدف التعرف على الطفرات المسببة للأمراض الوراثية الشائعة في مجتمعنا. وقد نجح حتى الآن في تحليل أكثر من 61 ألف عينة من الحمض النووي، وتوثيق نحو 7,500 متغير جيني مسبب للأمراض، من بينها متغيرات مرتبط بأكثر من 1,230 مرضًا وراثيًا نادرًا. مما يساهم في تطوير الطب الشخصي والوقاية المبكرة، وتوسيع فحوص ما قبل الزواج لتشمل أمراضًا لم تكن مكتشفة سابقًا. ولم يقتصر الاهتمام الوطني بعلم الجينات على الإنسان فقط، بل امتد إلى الكائنات المرتبطة بالهوية والبيئة السعودية، من خلال مشاريع لدراسة جينومات الإبل والخيل والصقور، في محاولة لفهم الصفات الوراثية والحفاظ على السلالات ذات القيمة الثقافية والاقتصادية. وهذا يعكس كيف أصبح علم الجينات اليوم جزءًا من مستقبل الطب، والأمن الغذائي، والمحافظة على التنوع الحيوي والموارد والموروث الوطني.
في النهاية، ومع هذا التقدم المتسارع في علم الجينات، ندخل مرحلة تُفهم فيها الأمراض والصفات والاستعدادات الوراثية بعمق غير مسبوق. لكن رغم ذلك، تبقى الجينات جزءًا من القصة لا القصة كاملة؛ فالتجربة، والتربية، والوعي، والقرارات اليومية، لا تقل تأثيرًا في تشكيل حياة الإنسان. وربما مع هذا التقدم العلمي، تبرز أيضًا مسؤولية أخلاقية لا تقل أهمية؛ فالهُوية الجينية ليست مجرد نتائج مخبرية، بل معلومات شديدة الخصوصية لا تقل حساسية عن الهوية الشخصية أو البيانات البنكية، ولهذا ينبغي أن تُدار ضمن أطر تنظيمية وتشريعية موثوقة تضمن حماية الخصوصية والاستخدام المسؤول لهذه البيانات.