د. أنس عضيبات
في غمرة انشغالات الحياة المتسارعة، تسلل إلى غرف صغارنا «مربون جدد» لا تربطنا بهم صلة دم أو فكر، بل تربطهم بأطفالنا خوارزميات ومنصات عابرة للقارات، وتبدأ القصة حين نمنح أطفالنا تلك الشاشات الصغيرة لتكون «مُسكناً» مؤقتاً لضجيجهم، لكنها سرعان ما تتحول إلى نافذة مشرعة تتدفق منها قيم وسلوكيات غريبة تحت غطاء الترفيه، وهنا يبرز مفهوم «التربية بالوكالة»، حيث يتنازل الأهل طواعيةً -أو غفلةً- عن دورهم القيادي، ليصبح «اليوتيوبر» هو المصدر الأول للمعلومة، والقدوة الأعلى في السلوك، والموجه الأساسي للرغبات والطموحات.
إن خطورة هذا المشهد تكمن في «الارتباط العاطفي الزائف» الذي يبنيه الطفل مع صناع المحتوى؛ فهم يظهرون كأصدقاء مقربين يشاركون تفاصيل حياتهم، ويلعبون بأحدث الألعاب، ويتحدثون لغةً تتسم بالبساطة والإثارة، وهذا التقارب يجعل الطفل يمتص مفاهيمه حول الاستهلاك، والجمال، وحتى الأخلاق، دون فلاتر تربوية تحميه فالخوارزميات، بدورها، لا تهتم بجودة المحتوى التربوي بقدر اهتمامها بـ«زمن المشاهدة»، مما يدفع الطفل للانجراف خلف محتوى قد يتسم بالسطحية أو يعزز ثقافة المادة والنجاح السهل، بعيداً عن قيم الجهد والانضباط التي تحاول الأسرة غرسها.
ومع مرور الوقت، تظهر آثار هذه التربية البديلة في صورة «فجوة إدراكية» بين الآباء والأبناء؛ حيث يتبنى الطفل نظاماً قيمياً مستمداً من عالم «اليوتيوب»، يتصادم غالباً مع واقع الأسرة ومبادئ المجتمع، حيث نجد الطفل يحاكي ردود أفعال صانع المحتوى في غضبه، وفرحه، وحتى في طريقة استهلاكه للمنتجات، مما يؤدي إلى تآكل سلطة الوالدين المعنوية وحينها، لا يعود الأب أو الأم هما المرجعية الأولى عند السؤال، بل يصبح البحث عن «رأي المؤثر» هو المعيار الأصدق في نظر الصغير، مما يحول دور الوالدين إلى مجرد «موفرين للخدمات» بدلاً من كونهم «موجهين للحياة».
وعلاوة على ذلك، فإن التربية بالوكالة تسلب الطفل قدرته على «التفكير النقدي»، إذ يتم تقديم المعلومة له في قالب بصري مبهر يغيب فيه الحوار والنقاش، وفي التربية التقليدية، يتعلم الطفل من خلال الخطأ والصواب والمواجهة المباشرة مع الأهل، أما في عالم الشاشة، فالطفل متلقٍّ سلبي يستهلك قيماً جاهزة الصنع، وهذا الانقطاع عن التفاعل الإنساني الحقيقي يضعف مهارات الطفل الاجتماعية، ويجعله يعيش في فقاعة افتراضية يظن فيها أن الحياة هي مجرد «تحديات» مصطنعة ومقالب مضحكة، مما يصدمه بالواقع حين يكتشف أن الحياة الحقيقية تتطلب صبراً ومرونة لا توفرها فيديوهات الـ10 دقائق.
إن استعادة زمام المبادرة التربوية لا تعني إعلان الحرب على التكنولوجيا، بل تعني الانتقال من «التربية بالوكالة» إلى «التربية بالمشاركة»، ولا يمكن لليوتيوبر، مهما بلغت مهارته، أن يمنح الطفل الحنان، أو الموقف الأخلاقي الأصيل، أو الانتماء الأسري الدافئ، وإن دورنا كأولياء أمور يبدأ من مشاركة الأطفال ما يشاهدون، وتحليل المحتوى معهم، وإعادة إحياء الحوار داخل البيت. ففي نهاية المطاف، البيوت لا تُبنى بـ«الاشتراكات» و«الإعجابات»، بل تُبنى بالحضور الواعي للأب والأم، اللذين يظلان -رغم كل التحديات الرقمية- صمام الأمان الوحيد في وجه طوفان المعلومات.