صبحي شبانة
لم يعد الشرق الأوسط كما عرفه العالم لعقود طويلة ساحة جاهزة لإعادة إنتاج التحالفات التقليدية التي تُبنى على الانقسام الحاد بين معسكرين متواجهين، فالمشهد الإقليمي اليوم أكثر تعقيدًا من أن يُختزل في تحالف عسكري هنا أو محور سياسي هناك، لأن المنطقة نفسها تغيّرت، والدول الفاعلة فيها أعادت تعريف مصالحها وأولوياتها، وحتى أدوات نفوذها، ولهذا يبدو الحديث المتكرر عن «ناتو عربي» أو تحالفات شرق أوسطية واسعة أقرب إلى الأمنيات السياسية منه إلى الوقائع القابلة للحياة.
في الماضي، كانت التحالفات تُصنع تحت ضغط الحروب الكبرى أو الاستقطابات الدولية الحادة، أما الآن، فإن دول المنطقة تتحرك داخل مساحة رمادية واسعة، لا هي حالة عداء كامل، ولا هي حالة تحالف كامل، الجميع يقترب من الجميع بقدر، ويبتعد عن الجميع بقدر آخر، ولهذا أصبح الشرق الأوسط أشبه برقعة شطرنج تتحرك فوقها القطع بحذر بالغ، لأن أي خطوة غير محسوبة قد تُشعل توازنات دقيقة بُنيت خلال سنوات من الإرهاق السياسي والأمني والاقتصادي.
الحديث عن تحالفات شرق أوسطية فعالة يصطدم أولًا بغياب دولة مركزية قادرة على لعب دور القاطرة الإقليمية التي تلتف حولها بقية الدول، فالقوى الكبرى في المنطقة، مثل السعودية و تركيا وإيران ومصر، تمتلك مصالح متعارضة أحيانًا، ومجالات نفوذ متداخلة، كما أن علاقاتها ببعضها محكومة بدرجات متفاوتة من الحذر والشك المتبادل، لكل دولة مشروعها، ولكل عاصمة حساباتها، ولكل قيادة أولوياتها التي قد تتقاطع مؤقتًا لكنها لا تذوب في مشروع جماعي دائم.
ولذلك تميل هذه الدول إلى بناء شراكات مرنة أكثر من ميلها إلى إقامة تحالفات صلبة، فهي تركز على الاقتصاد والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا والممرات التجارية، بينما تُبقي الملفات السياسية الحساسة في منطقة ضبابية قابلة للتعديل والتراجع، حتى التفاهمات الأمنية التي تُطرح أحيانًا لا تصل إلى مستوى الالتزامات الكاملة، لأن الجميع يدرك أن الشرق الأوسط منطقة سريعة التقلب، وأن الصديق اليوم قد يصبح خصمًا غدًا، والعكس صحيح.
الدول الخليجية على سبيل المثال نجحت خلال السنوات الأخيرة في بناء مستويات عالية من التنسيق السياسي والأمني، لكنها في الوقت نفسه أصبحت أكثر حذرًا من الانخراط في اصطفافات حادة، فالتجارب التي عاشتها المنطقة منذ عام 2011 تركت أثرًا عميقًا في الوعي السياسي الخليجي، سواء من حيث تكلفة الفوضى، أو حجم الاستنزاف الأمني، أو هشاشة الرهانات الدولية، ولهذا لم تعد العواصم الخليجية تنظر إلى التحالفات التقليدية بوصفها ضمانة مطلقة للأمن، بل باتت ترى أن إدارة التوازنات أكثر فاعلية وأقل كلفة.
ومن هنا يمكن فهم التحول الكبير في سلوك المنطقة تجاه القوى الكبرى، فالعلاقة مع الولايات المتحدة لم تعد قائمة على الاعتماد الكامل كما كان الحال لعقود طويلة، بل أصبحت علاقة شراكة مشروطة بالمصالح المتبادلة، وفي المقابل، فتحت دول المنطقة أبوابًا واسعة أمام الصين وروسيا وقوى آسيوية أخرى، ليس بهدف استبدال حليف بحليف، وإنما بهدف تنويع الخيارات وتقليل الارتهان لمركز دولي واحد.
لقد أدركت عواصم الشرق الأوسط أن النظام الدولي نفسه لم يعد مستقرًا بما يكفي لبناء تحالفات طويلة الأمد على الطريقة القديمة، فالعالم يعيش مرحلة انتقالية معقدة تتراجع فيها الهيمنة الأحادية تدريجيًا، بينما تتقدم قوى جديدة تسعى إلى إعادة تشكيل موازين النفوذ العالمي. وفي ظل هذا التحول، باتت الدول الإقليمية أكثر ميلًا إلى البراغماتية وأقل حماسة للشعارات الأيديولوجية أو الاصطفافات الصلبة، حتى الملفات التي تبدو ظاهريًا قابلة لبناء تحالفات واسعة، مثل الأمن البحري أو مواجهة التهديدات الإقليمية، تصطدم بحسابات متناقضة، فكل دولة تنظر إلى الخطر من زاويتها الخاصة، وتُعرّف الأمن القومي بطريقة مختلفة عن الأخرى، ما تعتبره دولة تهديدًا وجوديًا قد تراه دولة أخرى فرصة سياسية أو ورقة تفاوضية، ولهذا تفشل أغلب المشاريع الإقليمية في التحول إلى منظومات جماعية متماسكة.
الأمر لا يتعلق فقط بالخلافات السياسية، بل أيضًا بطبيعة التحولات الاقتصادية التي تشهدها المنطقة، فالدول الخليجية مثلًا دخلت مرحلة إعادة هيكلة اقتصادية ضخمة، تسعى من خلالها إلى بناء اقتصادات ما بعد النفط، وترسيخ مكانتها كمراكز عالمية في الاستثمار والطاقة المتجددة والسياحة والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية، وهذه التحولات تحتاج إلى بيئة مستقرة، لا إلى صدامات مفتوحة أو تحالفات عسكرية قد تُعيد المنطقة إلى أجواء التوتر الدائم.
ولهذا أصبحت لغة الاقتصاد أكثر حضورًا من لغة الأيديولوجيا، المشاريع العابرة للحدود، والموانئ، والممرات التجارية، والاستثمارات السيادية، والتكامل اللوجستي، كلها باتت أدوات نفوذ أكثر فاعلية من الخطابات السياسية الحادة، ومن يراقب حركة المنطقة خلال السنوات الأخيرة يلاحظ أن كثيرًا من الخصومات القديمة جرى تجميدها أو تخفيف حدتها لصالح الحسابات الاقتصادية.
لكن المفارقة أن هذا الهدوء الظاهري لا يعني غياب الصراع، بل يعني فقط تغير أدواته، فالمنطقة ما تزال تعيش تنافسًا حادًا على النفوذ، غير أن هذا التنافس أصبح أكثر هدوءًا وأشد تعقيدًا، الصراع اليوم يدور حول الموانئ، والطاقة، والذكاء الاصطناعي، وسلاسل الإمداد، والممرات البحرية، والاستثمارات العابرة للقارات، بقدر ما يدور حول الجغرافيا والسياسة.
في قلب هذا المشهد تقف القوى الإقليمية الكبرى وهي تدرك أن تكلفة المواجهة المباشرة أصبحت باهظة للغاية، فلا إيران قادرة على تحمل انفجار إقليمي واسع في ظل العقوبات والضغوط الاقتصادية، ولا إسرائيل قادرة على إدارة حروب مفتوحة بلا سقف، ولا دول الخليج راغبة في العودة إلى أجواء الاستنزاف الأمني، ولا تركيا تريد خسارة مكتسباتها الاقتصادية والسياسية في محيط مضطرب.
ومن هنا أصبحت «إدارة التوتر» سياسة قائمة بذاتها، الجميع يرفع سقف الخطاب أحيانًا، لكنه يحرص في الوقت نفسه على إبقاء خطوط الاتصال مفتوحة، حتى الخصومات الحادة لم تعد تمنع وجود تفاهمات خلف الكواليس، لأن البديل عن ذلك قد يكون فوضى شاملة يصعب التحكم في نتائجها.
ولعل ما يزيد تعقيد المشهد أن الشرق الأوسط لم يعد يتحرك بمعزل عن التحولات العالمية الكبرى، فالحرب في أوكرانيا، والتنافس الأمريكي الصيني، وأزمات الطاقة، واضطرابات سلاسل الإمداد، كلها عوامل جعلت المنطقة أكثر أهمية للعالم، لكنها في الوقت نفسه جعلتها أكثر حساسية لأي اهتزاز أمني أو سياسي.
العالم اليوم ينظر إلى الشرق الأوسط بوصفه عقدة استراتيجية تتحكم في الطاقة والتجارة والممرات البحرية والاستقرار الاقتصادي العالمي، ولهذا أصبحت القوى الدولية حريصة على منع الانفجار الشامل، حتى وإن استمرت بؤر التوتر المحدودة، فالفوضى الكاملة لم تعد تهدد المنطقة وحدها، بل تهدد الاقتصاد العالمي بأسره.
وربما لهذا السبب أيضًا تبدو مشاريع الأحلاف الإقليمية الكاملة غير قابلة للحياة في المدى المنظور، لأن المنطقة ببساطة انتقلت من مرحلة «المعسكرات المغلقة» إلى مرحلة «التوازنات المفتوحة»، كل دولة تريد الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من حرية الحركة، وأقل قدر ممكن من الالتزامات التي قد تجرها إلى صراعات ليست مستعدة لتحمل كلفتها.
إن الشرق الأوسط يعيش اليوم مرحلة يمكن وصفها بـ «الدبلوماسية المرنة»، حيث تتغير التحالفات الجزئية وفق الملف المطروح. قد تتعاون دولتان اقتصاديًا رغم خلافهما السياسي، وقد تتفاهمان أمنيًا رغم تنافسهما الإقليمي، وقد تختلفان في ساحة وتتفقان في أخرى، وهذا النمط من العلاقات لم يعد استثناءً، بل أصبح القاعدة الجديدة في المنطقة.
وفي ظل هذه المعادلة، تبدو فكرة «الحلف الإقليمي الصلب» أقرب إلى نموذج تجاوزه الزمن، فالدول لم تعد تبحث عن اصطفافات نهائية بقدر ما تبحث عن مساحات حركة أوسع، وقدرة أكبر على المناورة، وشبكات مصالح متعددة الاتجاهات، حتى القوى الكبرى نفسها لم تعد قادرة على فرض معادلات ثابتة، كما كان الحال في العقود السابقة.
ولهذا، فإن مستقبل الشرق الأوسط لن يُبنى على تحالفات مغلقة بقدر ما سيُبنى على هندسة معقدة للتوازنات. توازنات بين الأمن والاقتصاد، وبين واشنطن وبكين، وبين الخصومة والتفاهم، وبين النفوذ المحلي والمصالح الدولية، إنها مرحلة لا تنتصر فيها الشعارات بقدر ما تنتصر الحسابات الدقيقة.
وفي النهاية، قد يكون الدرس الأهم الذي خرجت به المنطقة من سنوات الاضطراب الطويلة هو أن البقاء لم يعد للأكثر صخبًا، بل للأكثر قدرة على إدارة التوازنات، فالعالم يتغير، والشرق الأوسط يتغير معه، ومن لا يفهم لغة المرحلة الجديدة سيجد نفسه خارج معادلة التأثير مهما امتلك من قوة أو طموح.