حسن بن مريّع
تخيل أنك دخلت يوماً إلى مختبر كيميائي مليء بالقوارير الحساسة، وقررت دون علم سابق أن تخلط بعضها ببعض لمجرد أن ألوانها تبدو جميلة ومبهرة!. هذا بالضبط ما يفعله كثير منا اليوم عندما نلتقط معلومة معقدة من علوم المتخصصين، ثم ننشرها بحماس في مجالسنا أو على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي، ظناً منا أننا امتلكنا الحقيقة بذكائنا، وأن العلماء كانوا يخفونها عنا احتكاراً لمعرفتهم.
في الحقيقة ان هذه القضية ليست وليدة اليوم، بل هي قصة قديمة بدأت منذ أن حاول كبار الفلاسفة والمفكرين تنظيم العلاقة بين ما يصلح لعقول عامة الناس وما يجب أن يظل حكراً على أهل الاختصاص والمنهج البرهاني.
فقبل مئات السنين، أدرك الإمام أبو حامد الغزالي خطورة هذا الخلط، فكتب كتاب: (إلجام العوام عن علم الكلام) فقد كان الإمام الغزالي يرى أن الخوض في تفاصيل العقائد المعقدة دون منهج علمي يشبه إلقاء شخص لا يجيد السباحة في بحر هائج، وفي الأندلس، سار الفيلسوف ابن رشد على خطى مشابهة في كتابه الشهير (فصل المقال)، حيث قسّم الناس إلى مراتب بحسب قدراتهم على فهم الأدلة، فالجمهور العريض يحتاج إلى «الموعظة الحسنة» والأمثال المادية الواضحة لكي يستقيم إيمانه وحياته. وكان ابن رشد يرى أن إذاعة المسائل المعقدة لعامة الناس هي السبب الرئيسي في نشوء الفرق المتناحرة، وتكفير الناس لبعضهم، لأن العقل غير المدرب سيفهم تلك الحقائق بشكل مغلوط ويحولها إلى مادة للجدل العقيم.
أما اليوم، فإن هذه المشكلة تضاعفت بشكل مرعب بسبب الإنترنت والهواتف الذكية. فقديماً، كان لكل مقام مقال؛ إذ يتحدث الطبيب مع زملائه بلغة علمية يفهمونها، والمعلم يناقش الأفكار العميقة في قاعات الجامعة. لكن مواقع التواصل الاجتماعي هدمت كل هذه الجدران فيما يسميه علماء الاجتماع «انهيار السياق». لقد أصبحنا نعيش في فضاء واحد يختلط فيه الطبيب بالعامي، والفيزيائي بالجاهل، والسياسي بالطفل. وعندما ينشر خبير فكرة متخصصة، يعيد الناس نشرها عشوائياً خارج سياقها، لتبدأ معركة من التحليلات والرفض والقبول بين أناس لا يملكون الأدوات العلمية للحكم عليها. ما يثير الدهشة هو أن الإنسان بطبعه يقع ضحية لوهم نفسي غريب يسمى «وهم عمق التفسير». نحن نظن أننا نفهم كيف تعمل الأشياء البسيطة من حولنا، مثل شاحن الجوال، أو غلاية الماء، أو شاشة تلفاز… ولكن إذا طُلب منا كتابة شرح مفصل لكيفية عملها بدقة، نقف عاجزين سنكتشف جهلنا، ونقف عاجزين. وفي عالم الإنترنت، يتسع هذا الوهم؛ فالناس يقرؤون منشوراً سريعاً أو يشاهدون مقطعاً قصيراً، فيتولد لديهم شعور زائف بالتمكن، ويبدأون بالتدخل في شؤون معقدة كالأوبئة، والاقتصاد، وحتى ميكانيكا الكم التي يستغلها بعض المدربين لتسويق الخرافات بدعاوى العلم. هذا التخبط المعرفي أدى إلى نشوء ما يسمى «الشعبوية المعرفية»، حيث يبدأ الناس بالتشكيك في رأي الأطباء والعلماء الحقيقيين، معتمدين على تجاربهم الشخصية البسيطة جداً والسطحية.
وفي ظل غياب العلماء الحقيقيين عن الساحة لانشغالهم بمهامهم التعليمية والبحثية الشاقة، يمتلئ الفراغ بصناع المحتوى الترفيهي الذين يسطحون العلوم ويحولونها إلى مادة للاستهلاك السريع. إن الحل لا يكمن في ممارسة الوصاية القسرية على العقول، بل في نشر ثقافة «التواضع المعرفي». يجب أن ندرك جميعاً أن امتلاك الهاتف لا يعني امتلاك المعرفة، وأن أول خطوة في طريق الحكمة الحقيقية هي أن نعرف حدود عقولنا، ونترك كل تخصص لأهله الحقيقيين.