د. هادي قاسم
تعد الكيمياء الفضائية (أو الكيمياء الفلكية) فرعاً علمياً حيوياً يجمع بين الكيمياء وعلم الفلك، حيث يشهد في الفترة الأخيرة تطوراً هائلاً من حيث فهم تكوين الكون واكتشاف أصول الحياة واكتشاف الكواكب وغيرها من الأهداف المهمة فالكيمياء الفلكية هي دراسة العناصر الكيميائية الموجودة في الفضاء الخارجي وتشكيلها والتفاعلات بينها. وتشير الكيمياء الفلكية إلى دراسة كيمياء كلا النظام الشمسي والوسط بين النجوم والعلم الذي يدرس أجرام النظام الشمسي (مثل المذنبات والنيازك) يُسمى الكيمياء الكونية.
بينما لسنوات عديدة كان الفلكيون على معرفة ضئيلة عن تركيب الوسط بين النجوم، فعلم الفلك البصري لم يُظهر إلا النجوم والمجرات والسدم، بينما كان الوسط بين النجوم يظهر مظلماً تماماً، كأنه لا يوجد شيء فيه. لكن مع ظهور علم الفلك الراديوي في الخمسينيات والستينيات جاءت اكتشافات مذهلة. فقد أظهرت الأرصاد خطوطاً طيفية للهيدروجين ذات طول موجة يبلغ 23 سنتيمتراً، والتي تدل على وجود كميات كبيرة من الهيدروجين في الوسط بين البجوم. وقد اكتشفت العديد من العناصر الأخرى في الوسط بين النجوم بعد اكتشاف الهيدروجين ولكن بنسب قليلة نادرة. والتركيب الكيميائي والذري في السحب الجزيئية يلعب دوراً أساسياً في تكوين النجوم والكواكب وتطورها لأن النجوم والأنظمة الكوكبية تولد من هذه السحب.
تشهد الكيمياء الفضائية تطورات مذهلة في عامي 2025 و2026، بفضل تلسكوب جيمس ويب وغيره من المراصد المتطورة، حيث تم اكتشاف جزيئات عضوية معقدة تشير إلى أصول الحياة، بالإضافة إلى اكتشافات كيميائية غير مسبوقة، وإليكم جملة من الاكتشافات الجديدة:
1- أكبر جزيء كبريت عضوي في الفضاء (2026):
اكتشف علماء من معهد «ماكس بلانك» الألماني جزيئاً يحتوي على الكبريت (13 ذرة) في الفضاء بين النجوم، على بعد 27 ألف سنة ضوئية، وهو يُعد «حلقة مفقودة» في فهم كيمياء الحياة وأصلها.
يُعد الكبريت عاشر أكثر العناصر وفرة في الكون، وهو مكوّن حاسم للأحماض الأمينية، والبروتينات، والإنزيمات على الأرض.
لكن بينما عثر الباحثون سابقًا على جزيئات حاوية للكبريت شبيهة بالجزيء المكتشف حديثًا في المذنبات والنيازك، كان هناك نقص محيّر في الجزيئات الكبيرة التي تحتوي على الكبريت في الفضاء بين النجوم، وهو الامتداد الشاسع بين النجوم والممتلئ بسحب من الغبار والغاز.
في حين أن العلماء لم يعثروا إلا على كمية محدودة جدًا من الجزيئات الحاوية للكبريت في الفضاء، وهو أمر غريب. من المفترض أن يكون موجودًا بكميات هائلة، لكنه شديد الصعوبة في الرصد».
وكان فريق آخر من الباحثين قد اقترح سابقًا أن الكبريت قد يبدو نادرًا في الفضاء لأنه محبوس داخل الجليد الكوني، أي أنه مختفٍ أمام الأنظار بدلًا من أن يكون مفقودًا.
يضيف هذا الاكتشاف الجديد، بالتالي، قطعةً مهمة إلى هذا اللغز لأن هذا هو أكبر جزيء يحتوي على الكبريت يُكتشف في الفضاء على الإطلاق، إذ يتكوّن من 13 ذرة. وقبل هذا الاكتشاف، كان أكبر جزيء معروف يحتوي على تسع ذرات فقط، ومع ذلك اعتُبر حالة نادرة، لأن غالبية الجزيئات التي تحتوي على الكبريت التي جرى رصدها لا تضم سوى ثلاث، أو أربع، أو خمس، ذرات».
ويتوقّع العلماء أن العثور على جزيئات أكبر أمر بالغ الأهمية، لأنه يساعد على سد فجوة قائمة بين الكيمياء البسيطة الموجودة في الفضاء واللبنات الأساسية الأكثر تعقيدًا للحياة، والتي كُشف عنها في المذنبات والنيازك.
2- جزيئات عضوية على أقمار زحل:
أظهرت دراسات حديثة أن محيط قمر إنسيلادوس التابع لزحل يحتوي على جزيئات عضوية معقدة، مما يعزِّز احتمالية وجود بيئات صالحة للحياة خارج الأرض.
أعاد العلماء تسليط الضوء على قمر زحل الجليدي إنسيلادوس بعد اكتشاف جزيئات عضوية معقدة تنبعث من نوافيره الجليدية، في كشف علمي يعزِّز فرضية أن هذا القمر قد يحتوي على مقومات الحياة تحت سطحه المتجمد، ويأتي هذا الاكتشاف بعد نحو عشرين عامًا من قيام مركبة كاسيني التابعة لوكالة ناسا بتحليل أولى عينات الغازات والجليد المنبعثة من سطح القمر.
وأظهرت التحليلات الحديثة أن الجزيئات التي تم رصدها تحتوي على الكربون، وهو أحد العناصر الأساسية لتكوين المركبات الحيوية، ما يشير إلى أن المحيط الجوفي الموجود تحت سطح إنسيلادوس يشهد تفاعلات كيميائية يمكن أن تُكوّن اللبنات الأولى للحياة، هذه النوافير، التي تطلق بخار الماء وجزيئات الجليد إلى الفضاء، تُغذِّي بدورها الحلقة E الشهيرة التي تحيط بكوكب زحل.
كما حدد الباحثون أنواعًا متعددة من المركبات الكيميائية، تشمل مركبات أليفاتية ودائرية، وإيثرات، وجزيئات تحتوي على النيتروجين والأكسجين، وهي عناصر تشكِّل أساس التفاعلات الحيوية المعقدة.
ويعتقد العلماء أن هذه الجزيئات تمثِّل أجزاءً من المسارات الكيميائية التي تؤدي، على كوكب الأرض، إلى تكوين الأحماض الأمينية والمركبات المرتبطة بالحياة.
ويرى الخبراء أن هذه النتائج تجعل إنسيلادوس أحد أكثر الأجرام السماوية الواعدة في البحث عن حياة خارج الأرض، خاصة أن البيانات تشير إلى أن محيطه الجوفي يتمتع بنشاط كيميائي مستمر. ومع ذلك، يحذّر بعض العلماء من أن الإشعاعات السطحية قد تسهم أيضًا في تكوين بعض المركبات العضوية، مما يتطلب مزيدًا من الدراسات الدقيقة.
3- سدم ليمان ألفا (2026):
تم رصد عشرات الآلاف من هالات غاز الهيدروجين العملاقة (سدم ليمان ألفا) التي تحيط بالمجرات الناشئة، مما يعطي صورة عن التركيب الكيميائي للكون فسدم ليمان ألفا (Lyman-alpha blobs - LABs) هي هياكل غازية ضخمة ومضيئة توجد في الكون البعيد، وتعد من بين أكبر الكيانات الفردية في الكون يبلغ قطرها مئات الآلاف من السنين الضوئية (أكبر بكثير من مجرة درب التبانة)، وتتألق بشكل مكثف من خلال انبعاث خط «ليمان ألفا» للهيدروجين.
يُعتقد أن سدم ليمان ألفا هي مراحل مبكرة جداً من تكوين المجرات الضخمة الحديثة (مثل درب التبانة)، حيث تعمل كـ»حضانات» ضخمة تتجمع فيها المادة لتشكيل النجوم والمجرات.
وتوفر نظرة فريدة حول كيفية تجميع الغاز وتشكيل المجرات في بداية الكون، وتساعد في فهم الآليات التي تضيء المجرات المبكرة.
فسدم ليمان ألفا هي مختبرات طبيعية ضخمة لفهم الكون المبكر، تكشف عن العمليات الفيزيائية التي أدت إلى نشأة المجرات، وتوضح كيف يتفاعل الغاز الكوني لتوليد الضوء وتشكيل النجوم.
4- مركب كربوني أساسي (+CH3):
نجح تلسكوب جيمس ويب في رصد مركّب «ثنائي الميثيل» (+CH3) لأول مرة في الفضاء، وهو جزيء كربوني يُعتبر أساسياً لتشكل الحياة في الأقراص الكوكبية.
أعلن فريق دولي من العلماء، باستخدام بيانات من تلسكوب جيمس ويب، عن اكتشاف تاريخي لمركب كربوني أساسي يُعرف باسم كاتيون الميثيل في الفضاء لأول مرة.
فيما يلي أبرز التفاصيل حول هذا الاكتشاف العلمي الهام:
- يُعتبر كاتيون الميثيل لبنة أساسية في الكيمياء العضوية الكونية، حيث يُعتقد أنه يحفز نمو جزيئات كربونية أكثر تعقيداً، مما يجعله عنصراً حيوياً لفهم كيفية نشأة الحياة.
- حيث تم رصد هذا المركب في نظام نجمي شاب يحتوي على قرص بروتوكوكبي يسمى d203-506، والذي يقع في سديم الجبار على بعد حوالي 1,350 سنة ضوئية من الأرض.
- وعلى الرغم من أن الأشعة فوق البنفسجية غالباً ما تُدمر الجزيئات العضوية، إلا أن الفريق البحثي يتوقع أن الأشعة المنبعثة من النجوم الشابة القريبة في سديم الجبار قد وفرت في الواقع الطاقة اللازمة لتشكيل هذا المركب (+CH3).
حيث مكّنت أدوات تلسكوب جيمس ويب عالية الحساسية من رصد هذا الجزيء في الأشعة تحت الحمراء، وهو أمر لم يكن ممكناً بالتلسكوبات السابقة.
يفتح هذا الاكتشاف آفاقاً جديدة لفهم كيفية تطور الكيمياء الكربونية في الفضاء وتأثيرها على نشأة كواكب قادرة على دعم الحياة.
هذه آخر اكتشافات علماء كيمياء الفضاء في الأشهر الأخيرة، ولكن من الإنجازات الجديدة محاكاة كيمياء الفضاء مخبرياً وهذا ما سنتحدث عنه لاحقاً وعن أهميته وكيفية الآلية التي اعتمدها العلماء. وهذا ما سنوضحه في مقالنا الثاني.
** **
دكتوراه في الكيمياء الحيوية - ماليزيا