خالد بن عبدالرحمن الذييب
شيء عظيم أن تولد شخصية خيالية خالدة من وحي شخصية حقيقية لا تقل عنها عظمة. «وليام آرنست هنلي»؛ اسم قد يبدو عادياً للكثيرين، وربما لم يسمع به أحد، لكنه كان السبب وراء ظهور إحدى أشهر الشخصيات في عالم الرواية؛ والتي شكلت وجدان المراهقين ممن قرأ رواية «جزيرة الكنز». كان هنلي شاباً إسكتلندياً مولعاً بالأدب، يتمتع بشخصية صلبة في تعامله مع إعاقته؛ بشكل أبهر روبرت لويس ستيفنسون، مؤلف الرواية. أصيب هنلي في طفولته بالتهاب المفاصل السلي الذي أدى إلى بتر إحدى قدميه. جزيرة الكنز، ستيفنسون، ورجل ممتلئ حيوية يفقد إحدى قدميه.. ألا يذكركم هذا بشيء؟
يقول ستيفنسون في رسالة كتبها لصديقه هنلي عام 1883م: «إن رؤيتي لعزيمتك المبتورة، ومهارتك الفائقة، هي التي ولدت شخصية لونغ جون سيلفر؛ لقد استمددت منك فكرة الرجل المشوه الذي يتمتع بشخصية صلبة وهيبة».
إن المبدعين يتمتعون بأنفس شفافة، مرهفة، ودقيقة الملاحظة، ترتبط بخيال واسع يوظف هذه التشابكات لتنفجر إبداعاً في لوحة فنية أو نص أدبي. وقيمة «أرنست هنلي» لم تكن لتُعرف لولا أن التقى بمبدع حساس مثل ستيفنسون. وعندما أقول «حساس»، فإنني أركز على الحساسية بمنظورها الإبداعي؛ تلك التي تشعر بآلام الناس، وتفهم المشاعر، وتحلل المشاهد لتولد الإبداع. لا تلك الحساسية السلبية المقيتة القائمة على محاسبة الآخرين، والتي تنفر الناس منك وتعذب بها نفسك، معتقداً أن الكون كله يدور حولك، في حين أنك لست سوى إنسان من ضمن مليار على هذه الأرض.
ما فعله ستيفنسون هو تجسيد للمبدع الواعي الذي يلتقط الشخصيات والأحداث، ويتفاعل معها لينتج فنّاً. فما أسعد من عاشر المبدعين؛ لأنهم قادرون على تخليدك قبل تخليد أنفسهم.
أخيراً ...
ما أضيق الحياة لولا وجود المبدعين في تفاصيلنا.
ما بعد أخيراً...
كل منا يحمل شيئاً من «وليام هنلي» ولكن السعيد من كان بجانبه «ستفنسون» الخاص به..