وسام النجار
كيف نبني مدنًا أكبر؟ بل: كيف نبني مدنًا أذكى... تعيد للإنسان عمره المهدور؟ فعلى مدى عقود، صُممت المدن الحديثة حول «الحركة» لا حول «الإنسان».
الإنسان يستيقظ مبكرًا، يخرج من منزله، يستهلك الطرق، يستهلك سيارته، يستهلك وقته وصحته وأعصابه، ثم يقضي جزءًا هائلًا من حياته بين الإشارات والزحام والبحث عن موقف، فقط ليصل إلى مكتب قد يُغلق بعد ساعات قليلة، ثم يعيد الرحلة نفسها في المساء. ومع مرور السنوات، يكتشف أن جزءًا كبيرًا من حياته لم يذهب في الإنجاز... بل ذهب في «الانتقال».
وتشير دراسات ومؤشرات حضرية إلى أن الموظف قد يهدر ما بين 80 إلى 120 ساعة شهريًا في التنقل فقط، أي ما يعادل شهرًا كاملًا من الوقت سنويًا يختفي داخل الطرق.
والأهم أن زيادة المعروض السكني لن تكون مجرد زيادة «عددية»، بل زيادة نوعية في جودة الحياة نفسها. فالسكن هنا لا يُبنى فقط ليكون مكانًا للنوم، بل بيئة متكاملة للإنتاج والحياة والخدمات والرفاهية، مدعومة بتقنيات ذكية وتشغيل متواصل وبنية تحتية أكثر كفاءة واستدامة.
حتى الشركات نفسها ستعيد اكتشاف قيمة أصولها؛ فبدل أن تبقى مقراتها التقليدية مجرد مساحات تشغيلية تستهلك الميزانيات، يمكن إعادة توظيفها وتحويلها إلى أصول استثمارية وتجارية مدرّة للأرباح، ضمن اقتصاد حضري جديد يعتمد على الكفاءة والتكامل لا على التشتت والاستهلاك.
وهنا يتحول مفهوم «الشركة» من كيان يدفع باستمرار للحفاظ على التشغيل... إلى كيان يبني قيمة مستدامة تنمو مع الوقت، بالتوازي مع نمو الإنسان والإنتاجية
وهنا وُلد السؤال الذي قد يعيد تعريف شكل الاقتصاد العالمي مستقبلًا:
لماذا يذهب الإنسان إلى كل شيء... بينما يمكن لكل شيء أن يصل إليه؟
لماذا يذهب الموظف يوميًا للعمل، بينما يستطيع العمل أن يصل إليه رقميًا؟
ولماذا يخرج الإنسان للحصول على الطعام والخدمات، بينما يمكن للمدينة الذكية أن تجعل الخدمات تدور حول الإنسان لا العكس؟
ولماذا تُستهلك السيارات يوميًا في الوقود والصيانة وقطع الغيار والطرق، بينما يمكن تقليل الحاجة للحركة أصلًا؟
ولماذا تدفع الشركات مليارات في إيجارات ومصاريف تشغيلية تنتهي بلا أثر، بينما يمكن تحويل هذه المصروفات نفسها إلى أصول وثروات متنامية؟
إن الاقتصاد التقليدي بُني على فلسفة «الحركة المستمرة»، أما الاقتصاد القادم فسيُبنى على فلسفة «الوصول الذكي».
في الماضي كانت القوة في أن تتحرك أسرع، أما المستقبل فالقوة فيه أن تقلل الحركة غير الضرورية أصلًا.
فالمدينة الذكية الحقيقية ليست المدينة التي تحتوي على تقنيات أكثر فقط، بل المدينة التي تفهم الإنسان أكثر.
مدينة تعيد له الوقت.
تعيد له التركيز.
تعيد له صحته النفسية.
وتحوّل يومه من رحلة استنزاف... إلى رحلة إنتاج وحياة.
اليوم، كثير من المدن تعمل اقتصاديًا فعليًا قرابة 40 ساعة أسبوعيًا، بينما تبقى المكاتب والبنية التحتية والطاقة معطلة بقية الوقت. أما النموذج الجديد، فيطرح مفهومًا مختلفًا بالكامل: مدينة تعمل 168 ساعة أسبوعيًا، واقتصاد حي لا يتوقف، ومنظومة مترابطة تجعل السكن والعمل والخدمات والطاقة والذكاء الاصطناعي جزءًا من نظام واحد متناغم.
في هذا النموذج، لا يصبح البرج مجرد مبنى... بل كيان اقتصادي متكامل.
كل طابق يولّد قيمة.
كل خدمة تخلق وظيفة.
كل دقيقة تُستعاد من الزحام تتحول إلى إنتاج أو ابتكار أو جودة حياة.
ولهذا، فإن فكرة «السكن والعمل الذكي» ليست مشروعًا عقاريًا تقليديًا، بل إعادة تصميم كاملة للعلاقة بين الإنسان والزمن والاقتصاد.
فالبرج الذكي لا يجمع الناس فقط... بل يجمع الوقت والطاقة والخدمات والاقتصاد داخل منظومة واحدة.
ومن الناحية الاقتصادية، فإن التحول الأعظم هنا هو الانتقال من «المصروف» إلى «الأصل».
أكبر خطأ اقتصادي في المدن الحديثة أن الإنسان والشركات يدفعون مليارات في أشياء لا يملكونها في النهاية:
إيجارات، تنقل، تشغيل، استهلاك يومي، وهدر زمني.
لكن في النموذج الجديد، يتحول الإيجار إلى ملكية تدريجية، ويتحول الإنفاق التشغيلي إلى أصول منتجة، وتتحول الوظيفة نفسها من «عبء مالي» إلى «محرك قيمة». وهنا تظهر العبقرية الاقتصادية الحقيقية:
كل موظف جديد لم يعد تكلفة على الشركة... بل أصبح جزءًا من دورة نمو ترفع قيمة الأصول والإنتاجية معًا.
وهذا يخلق عقلية اقتصادية مختلفة بالكامل؛ عقلية تجعل الشركات تبني أكثر، وتوظف أكثر، وتفكر بالنمو بطريقة جديدة، لأن التوسع لم يعد يعني زيادة المصاريف فقط، بل زيادة الملكية والقيمة المستقبلية.
ولهذا السبب، فإن النموذج المقترح لا يخدم قطاع الإسكان فقط، بل يمكن أن يخلق قطاعًا اقتصاديًا جديدًا تتجاوز قيمته 300 مليار ريال، مع أكثر من 150 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة خلال سنوات التطبيق الأولى.
كما أنه يتماشى بشكل مباشر مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، التي تستهدف رفع نسبة تملك المواطنين إلى 70% بحلول 2030، وهي النسبة التي اقتربت المملكة منها بالفعل بعد وصول التملك إلى أكثر من 65% في السنوات الأخيرة.
لكن الأثر الحقيقي لا يُقاس بالأرقام فقط... بل بالإنسان نفسه.
فالإنسان حين يستعيد ساعات يومه، يستعيد جزءًا من حياته.
وحين تقل الضغوط اليومية، تزيد جودة التفكير والإبداع والإنتاجية.
وحين تصبح الخدمات قريبة ومترابطة، تتحسن الصحة النفسية والاجتماعية والعائلية.
حتى البيئة نفسها تستفيد؛ ازدحام أقل، انبعاثات أقل، استهلاك أقل للطاقة والطرق والبنية التحتية.
ولهذا، فإن التحول القادم لن يكون مجرد تحول عقاري أو تنظيمي... بل تحول فلسفي في معنى المدينة الحديثة.
انتقال من مدن تستهلك الإنسان... إلى مدن تخدم الإنسان.
ومن اقتصاد قائم على الاستنزاف... إلى اقتصاد قائم على التكامل.
ومن مصاريف تختفي كل شهر... إلى أصول تنمو كل سنة.
ومن ساعات ضائعة في الطرق... إلى حياة أكثر عمقًا وهدوءًا وإنتاجًا.
وربما بعد سنوات، سينظر العالم إلى هذا النوع من النماذج كما ينظر اليوم إلى اختراع الإنترنت أو الهاتف الذكي...
ليس كتحسين بسيط، بل كنقلة حضارية غيّرت شكل الحياة الحديثة.