د. محمد بن إبراهيم الملحم
توقيت الاختبارات النهائية ليس مجرد تفصيل تنظيمي في التقويم الدراسي، بل عامل تربوي ونفسي مؤثر في أداء الطلاب ودافعيتهم واستقرارهم الذهني. ومن أكثر الحالات إثارة للنقاش أن تأتي الاختبارات مباشرة بعد إجازة مرتبطة بعيد ديني أو مناسبة وطنية كبرى يعيش فيها المجتمع كله حالة احتفال وانشغال اجتماعي واسع، ثم يعود الطلاب إلى قاعات الاختبارات النهائية، في مثل هذه الحالات لا تكون الإجازة مجرد «فترة راحة»، بل انتقال كامل إلى نمط حياة مختلف.
فالأعياد والمناسبات الوطنية في المجتمعات العربية والخليجية خصوصًا ترتبط بالسهر، والزيارات العائلية، والسفر، والتجمعات الاجتماعية، والفعاليات العامة، والانشغال العاطفي والنفسي بالمناسبة. ولذلك فإن مطالبة الطالب بالانتقال الفوري من هذا الجو الاحتفالي إلى بيئة الاختبارات عالية الضغط قد لا تكون سهلة كما تبدو إداريًا.
علم النفس التربوي يشير إلى أن الإنسان لا ينتقل ذهنيًا بين البيئات المختلفة بصورة لحظية، فالطالب أثناء الإجازة يعيش نمطًا قائمًا على الاسترخاء وكسر الروتين والانفصال المؤقت عن الضغوط الأكاديمية، بينما تتطلب الاختبارات حالة مختلفة تمامًا تقوم على التركيز والانضباط واستدعاء المعلومات والتحكم بالقلق.
ولهذا فإن الإجازات المفرحة قد تؤدي لدى بعض الطلاب إلى انخفاض مؤقت في الجاهزية الذهنية والتركيز والدافعية مما لا يجعلهم متأهبين بشكل جيد لعودة تليها الاختبارات. ورغم أن الدراسات التي تناولت تحديدًا «الاختبارات بعد الأعياد» لا تكاد تذكر، فإن الأدبيات التربوية الواسعة حول أثر الانقطاعات الدراسية والإجازات تقدم مؤشرات مهمة. فقد ناقشت دراسات متعددة ما يسمى «فقدان التعلم خلال الإجازات» Holiday Learning Los، وهو التراجع الذي قد يصيب بعض الطلاب في التحصيل أو الانضباط الدراسي بعد فترات الانقطاع الطويلة. كما تشير مراجعات تربوية حديثة إلى أن المعلمين يلاحظون بصورة متكررة ضعف تركيز الطلاب وصعوبة عودتهم للروتين الدراسي بعد إجازات المواسم الاحتفالية، ولا يقتصر الأثر على الجانب المعرفي فقط، بل يمتد إلى الجانب النفسي. فالطالب الذي يعلم أن اختباره النهائي يأتي مباشرة بعد العيد غالبًا لن يعيش الإجازة براحة كاملة، بل يبقى موزعًا بين المشاركة الاجتماعية وبين الشعور المستمر بالقلق من الاختبارات القادمة. وفي المقابل، قد يجد بعض الطلاب أنفسهم مندمجين كليًا في أجواء الإجازة بما يؤدي إلى ضعف الاستعداد الحقيقي للاختبارات. وفي الحالتين تظهر مشكلة تربوية حقيقية: إما إجازة بلا راحة، أو اختبارات بلا جاهزية كافية.
من جهة أخرى، لا يمكن إغفال أن بعض الطلاب قد يستفيدون من الإجازة إذا امتلكوا مهارات عالية في التنظيم الذاتي، إذ تمنحهم وقتًا أطول للمراجعة بعيدًا عن ضغط اليوم الدراسي. لكن هذه الفائدة ليست عامة، بل مختصة بفشة قليلة من الطلاب ذلك أنها تتطلب توفر عوامل متعددة مثل مستوى الانضباط الشخصي، وبيئة المنزل، والدعم الأسري، والقدرة على مقاومة المشتتات الاجتماعية خلال المواسم الاحتفالية، وهو ما لا يتوقع لغالبية الطلاب والأسر، ولهذا فإن كثيرًا من الأنظمة التعليمية تحاول تقليل أثر هذا التعارض عبر حلول وسط، مثل جعل الاختبارات قبل الإجازات المهمة، أو منح أيام انتقالية بعد العودة، أو تخفيف كثافة الاختبارات في الأيام الأولى بعد الإجازة. والهدف من ذلك ليس «تسهيل الاختبارات» بقدر ما هو توفير بيئة أكثر استقرارًا نفسيًا وذهنيًا للطلاب.
المسألة في النهاية لا تتعلق بالصرامة أو التهاون، بل بفهم طبيعة الإنسان وطبيعة التعلم. فالأنظمة التعليمية الناجحة لاتنظر إلى الطالب باعتباره آلة يمكنها الانتقال الفوري من أجواء الاحتفال الجماعي إلى أعلى درجات التركيز الأكاديمي دون تكلفة نفسية أو معرفية. بل تراعي الإيقاع الواقعي للحياة الاجتماعية والنفسية، خصوصًا في المجتمعات التي تحتل فيها المناسبات الدينية والوطنية مكانة وجدانية كبيرة، ومن هنا، فإن إعادة النظر في توقيت الاختبارات عند تداخلها مع الإجازات الكبرى قد لا يكون ترفًا تنظيميًا، بل خطوة تربوية تسهم في تحقيق قدر أكبر من التوازن بين جودة التقييم ورفاه الطالب واستقراره النفسي.
** **
- مدير عام تعليم سابقاً