د.زيد محمد الرماني
لقد تصدر كتاب ((الشمس الناهضة)) قوائم الكتب الأكثر مبيعاً ليس بسبب فضائله التي لا يمكن إنكارها، ولكن بسبب العرض الذي يقدمه لخطة اليابان في الهيمنة على العالم. بيد أن الحقائق تكشف النقاب التناقض في تلك الأطروحات. ها قد بانت حقيقة الاقتصاد الياباني الهش، وها هي بنوك اليابان تترنح وأرباح شركاتها عابرة القوميات تتبخر تماماً، وها هو تقليص النفقات جار على قدم وساق. وبالنسبة لليابانيين، فإن ((الأوغاد)) الذين تسببوا في ذلك كله يقبعون على هذا الجانب من المحيط الهادئ.
وحقيقة الأمر أنه لا وجود ((لأوغاد)) هنا أو هناك، ذلك أن التقدم المادي بدأ عندما التقت أربع قوى في أواخر القرن الثامن عشر. إن حضور هذه القوى المتواصل متعاقبة في أدوار ريادية أو مساندة يفسر الوجود الفاعل لهذه القوى خلال القرنين الماضيين. وكان لابد للتقدم في شكله المعتاد أن يتأثر جراء تضافر هذه القوى الأربع، وأولها:
الأولى: تطور المعرفة
كانت التكنولوجيا، بالمعنيين البلاغي والحرفي، هي القوة المحركة للثورة الصناعية. لقد شكل اختراع ((وات)) للمحرك واختراع ((كرمبتون)) للمغزل الآلي بداية التخلص من الإنتاج اليدوي التقليدي. وبدأ الحديد يحتل مكان الخشب في الآلات وفي الصناعات الثقيلة وفي وسائط النقل، حيث وفرت المصاهر الضخمة المتقدة بالفحم كميات هائلة من الحديد.
إن وسائل النقل والاتصال التي تم تطويرها قد ضمنت انتشار التقدم وهيمنته في هذه المجالات، وكانت المكتسبات التي تحققت في كل واحد منها هائلة. لقد كانت التكنولوجيا أشبه بالغذاء المثالي الذي يقدم أكبر كمية من الطعام وأجودها لقاء أدنى تكلفة.
الثانية : الأسواق الحرة
وفرت الحرية التجارية للتقدم حوافز وأطراً. إن الازدهار الذي حققته دويلات المدن الإيطالية وهولندا، كان يعني خلق بديل للرق والإقطاع اللذين أمسكا بخناق أوروبا طوال القرن السادس عشر واستمرا ردحاً من الزمن خلال القرن السابع عشر.
وما أن حل القرن الثامن عشر حتى تبلورت عشرات الآلاف من أشكال الحريات الشخصية التي كانت أصلاً استثناءات انبثقت من وسط الحكم الاستبدادي العشوائي، ثم تحالفت فيما بينها لتصوغ المفهومين التوأمين: الحكومة المحدودة وحكم القانون. وشرع الناس ينظرون إلى السفر والإنفاق والعمل الطوعي باعتبارها حقوقاً لهم لا مكتسبات أو امتيازات، وأن بإمكانهم العمل والإنفاق والاستثمار طبقاً لما يرونه ملائماً لهم. وانتقلت البضائع بشيء من الضوابط، وتداول الناس النقد بحرية، وتحدى أصحاب المشروعات النقابات وقيودها المعيقة وانتصروا عليها. وفي عام 1776 لاحظ آدم سميث مستوى عالياً من الحرية التجارية المتصاعدة، ليصبح منظرها وفيلسوفها ومؤرخها الأول. ولو ولد سميث قبل قرن من ذلك الزمان لما وجد الكثير مما يؤرخ له.
الثالثة: التوسع في الأسواق
أسهمت التطورات التي حصلت في مجال تكنولوجيا المواصلات في توسيع الأسواق، والتي تعتبر المصدر الثالث للتقدم في العصر الحديث. كانت بضعة أميال تحيط بقرية ما تشكل حدوداً لسوق يمكن الوصول إليها. ولم يحدث أن انتقلت المنتجات الغذائية لمسافة تربو على عشرة أميال من المزرعة. ولم ينتقل القماش لأبعد من أربعين ميلاً عن مركز الغزل. ولأنه لم يكن هناك مفر من النقل بالعربات، فقد كانت تكلفة النقل غالباً ما تفوق سعر القماش ذاته. ولم يكن الناس أكثر قدرة على الانتقال من البضائع لأن مجالات العمل كانت محصورة بشكل فعلي في حدود المنطقة التي يقيمون فيها. ولم توفر السوق الموسمية وأجور العمال غير تفاعل تجاري متقطع بين المناطق المعزولة، فيما بقي الاكتفاء الذاتي الفعلي هو العرض السائد خلال القرن الثامن عشر.
لقد استطاعت القنوات والسكك الحديدية والتطورات التي حدثت في مجال صناعة السفن أن تحطم ذلك الاستبداد الذي فرضته المسافات، الأمر الذي مهد السبيل أمام إقامة صناعات على نطاق واسع. وامتد النشاط التجاري ليقدم خدمات للناس في مناطق أكثر اتساعاً من ذي قبل، كما أن وسائل المواصلات السريعة يسرت أمر الإشراف على المشروعات التي تم إنشاؤها في أماكن بعيدة للغاية.
الرابعة : تراكم رأس المال
في أواخر القرن التاسع عشر بدأت المؤسسات المالية المستقرة وشركات الأسهم عملية تركيز لرأس المال لأغراض تجارية. ولم يكن بوسع أحد قبل ذلك غير الدولة، من خلال قدرتها على فرض الضرائب، أن يجمع الأموال بكميات كبيرة لتمويل المشاريع الضخمة. وقد أفرز ذلك قوة عسكرية وعدداً من المشاريع العامة الكبيرة. كان القطاع الخاص يفتقر إلى هذه الفرص، فالبيوت التجارية القليلة التي تمكنت من مراكمة ثروة كبيرة كرست أموالها للتجارة لا للإنتاج.
ونتيجة لذلك فقد استندت أغلبية المشاريع الخاصة إلى استخدام الوفرة النسبية للأيدي العاملة، وليس إلى ندرة رأس المال. على أن استمرار العمل في ظل غياب كفاية رأس المال، لا يقدم غير فائض قليل من الإنتاج، الأمر الذي يطيل من أمد النقص المالي ويترك العمال يعيشون على حافة الكفاف.
وقد اتحد الاستثمار الخاص مع تكنولوجيا تقليص العمالة لكسر هذه الحلقة المفرغة. وخلال جيل واحد تضاعفت استثمارات رأس المال الإجمالي مرتين، مما مكن رأس المال من رفع المداخيل فوق مستوى الكفاف ومن زيادة الادخار الخاص ومن إنتاج ومراكمة فائض مالي قادر على التوليد الذاتي، الأمر الذي أسهم في تحقيق المزيد من التوسع الاقتصادي. وقد استمرت هذه الدورة الاقتصادية الفعالة حتى اليوم تقريباً لتنتج هذا العدد الهائل من المصانع والآلات ووسائط النقل ووسائل الرعاية الصحية والبنية التحتية العامة وشبكات الاتصالات، والتي أصبحت تشكل معالم أي اقتصاد متقدم.