د.عيد بن حجيج الفايدي
إن المرور على «رحلة الحج» في هذا التطور المذهل يعكس كيف تحوّلت الرحلة من نطاق جغرافي ضيّق، محصور في دائرة حول مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، إلى دائرة غير مرئية عابرة للقارات تبدأ من الشاشة الإلكترونية في منزل الحاج عندما يبدأ يدون معلوماته الأولية..
بينما في السابق وإلى عهد قريب كانت إدارة عمليات الحج تعتمد على المواجهة المباشرة مع الحشود في مساحات ثابتة ومحدودة شرعًا، ومع دخول أعداد الحجاج خانة الملايين اتّسعت هذه الدائرة لتشمل كامل نطاق المملكة العربية السعودية، حيث تحوّلت حدودها ومنافذها البرية والجوية والبحرية إلى شرايين لوجستية وأمنية تستقبل الحجيج، وتبدأ في خدمتهم وتفويجهم عبر وسائل النقل المتعددة.
لكن الطفرة الحقيقية تجلت في السنوات الأخيرة، حيث تلاشت المسافات الجغرافية تمامًا بفعل التطبيقات والمنصات الذكية، لتتسع الدائرة وتشمل العالم بأسره، واصلةً بوابتها إلى بلد الحاج نفسه. ويتجسد هذا التحول العالمي بشكل ملموس في مبادرات نوعية مثل «طريق مكة»، التي نقلت صالة الجوازات والإنهاء الجمركي السعودي إلى مطارات الدول المغادرة منها الحجاج، ليدخلوا المملكة كركاب رحلات داخلية دون عناء الانتظار.
ولم يتوقف الأمر عند حدود تنظيم السفر، بل امتدت هذه الدائرة الرقمية لتدخل في أدق تفاصيل حركة الحاج من خلال الإسورة الذكية التي يرتديها في معصمه، والتي أصبحت بمثابة الهوية الرقمية والملف الصحي وبوصلة التوجيه المباشرة له.
ومع هذا التدفق المليوني الهائل، تبرز اليوم الحاجة الماسة إلى إنشاء بوابة ذكية رقمية وميدانية متكاملة تحيط بكامل المشاعر المقدسة والحرم المكي الشريف؛ بوابة لا تعتمد على الحواجز التقليدية، بل على الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء وقراءة بيانات الإسورة الذكية، لتنظيم التدفقات البشرية، ومنع التكدّس، وجدولة التفويج إلى الجمرات والطواف بشكل آلي واستباقي، مما يضمن تحويل المساحات الضيّقة إلى بيئة آمنة وذكية بالكامل، تُدار فيها الملايين بدقة متناهية منذ وصولهم وحتى مغادرتهم.
يشكّل التحول الرقمي في الحج أحد أبرز تجليات التحديث المؤسسي في المملكة العربية السعودية، إذ انتقل الحج من نموذج تنظيمي ضيق يعتمد على المعالجة اليدوية إلى منظومة ذكية تستند إلى البيانات والتكامل بين الجهات والذكاء الاصطناعي.
وقد أسهمت هذه النقلة في إعادة تعريف تجربة الحاج بوصفها رحلة متصلة تبدأ من إصدار التصاريح وتنظيم الوصول، وتمر بإدارة السكن والتنقل والخدمات الصحية، وتنتهي بأداء المناسك في بيئة أكثر انسيابية وأمانًا.
وتتمثل أهم ملامح هذا التحول في المنصات الرقمية الموحّدة مثل «نسك»، وفي الهوية الرقمية والمسار الإلكتروني، وفي استخدام التحليلات اللحظية الخاصة بالازدحام وإدارة الحشود وحل المشكلة قبل الوصول اليها. كما عززت الخدمات متعددة اللغات والتطبيقات الصحية والإرشادية من شمولية التجربة، وجعلت التقنية أداةً لخدمة الإنسان لا مجرد وسيلة إدارية.
ومن منظور علمي، لا يقتصر هذا التحول على رقمنة الإجراءات، بل يتجاوزها إلى بناء نموذج تشغيل يعتمد على الحوكمة والبيانات والمرونة التنظيمية. ولذلك يمكن النظر إلى الحج اليوم بوصفه مختبرًا عالميًا لتطبيقات التحول الرقمي في البيئات المعقدة، حيث تلتقي المشاعر الإنسانية بالتقنية، وتتحول إدارة الملايين إلى ممارسة ذكية تستند إلى التخطيط الاستباقي وقياس الأثر وتحسين الجودة باستمرار.
في إطار هذا التحول، تم تجاوز نموذج «مدينة الحجاج» في مطار الملك عبدالعزيز بجدة، ونقل مسؤولية الاستقبال والتشغيل إلى مطار جديد يُسمى «مطار عرفات الدولي»، يُنشأ جنوب غرب المشاعر، ويصاحبه مدينة ذكية متكاملة تحت اسم مدينة عرفات.. بديلا واقعيا عن مدينة الحجاج في جدة التي لم تكن مجرد منشأة موسمية لاستقبال القادمين، بل كانت انعكاسًا لمرحلة كاملة من تطور الدولة السعودية في إدارة الحج؛ مرحلة قامت على استيعاب الحشود عبر مساحات الانتظار الكبرى والخدمات المركزية. أما اليوم، فإن الانتقال إلى مدينة عرفات الذكية ومطار عرفات الدولي لا يعني أفول الأهمية التاريخية لجدة، بل تخليص جدة من الاختناقات المرورية للحفاظ على «جدة غير» وهذا يكشف تحولًا أعمق في «إدارة الكثافة» إلى «إدارة التدفق الذكي»، ومن فصل موقع الاستقبال عن موقع المشاعر إلى دمجهما جغرافيًا وتشغيليًا.
ومهما يكن من أمر.. ارتباط جدة بالحج منذ عهد الخليفة عثمان بن عفان -رضى الله عنه- كميناء رئيسي، وتحولت إلى البوابة الكبرى للحج، مما جعل إنشاء مدينة الحجاج فيها أمرًا طبيعيًا في القرن العشرين. ومع طفرة السبعينيات والثمانينيات، برزت مدينة الحجاج بمظلاتها العملاقة التي تستلهم خيام منى، لتعمل لعقود كـ«منطقة انتقالية» تُدار فيها عمليات الفرز والتوجيه والخدمات الصحية والتنسيق الأمني.
غير أن حدود هذا النموذج التقليدي ظهرت مع كل زيادة في أعداد الحجاج، مما استلزم حاجة إلى مساحات وكوادر وزمن انتظار أطول، وجعل التحول التقني ضرورة إستراتيجية.
وهنا يأتي دور مدينة عرفات الذكية ومطار عرفات الدولي، حيث لم تعد الحاجة قائمة إلى «مدينة انتظار» بعيدة عن المشاعر. فبإنشاء هذا المطار جنوب غرب المشاعر، تتحول الإجراءات إلى مسارات رقمية متزامنة داخل موقع استراتيجي يلامس قلب الحج. يُنجز في المطار والمدينة الذكية المتكاملة بجواره التأشيرات والتوثيق والفحص الصحي وتتبع الأمتعة إلكترونيًا، ضمن منظومة تشغيلية مترابطة تختصر الزمن وتقلل الاحتكاك البشري. كما يعتمد المطار والمدينة على البيانات والربط الفوري وإدارة الحشود بالذكاء الاصطناعي والخدمات الاستباقية، مما يجعل وصول الحاج مباشرة إلى عرفة بدايةً لرحلة المناسك دون عناء النقل الطويل من جدة.
ويُعد تطوير مبادرة «طريق مكة» لتشمل مطار عرفات الدولي التعبير الأوضح عن هذا التحول. فبدل أن تبدأ الإجراءات بعد وصول الحاج إلى جدة، أصبحت تُنجز في مطارات بلده قبل المغادرة، على أن تكون وجهته النهائية هي مطار عرفات الدولي، حيث ينقله مسار سريع ومتكامل إلى المدينة الذكية المتكاملة ثم إلى مشعر عرفة مباشرة. وهكذا لم يعد الحاج يصل إلى جدة بوصفه «قادمًا يحتاج إلى معالجة»، بل يصل إلى مطار عرفات الدولي ضيفًا جاهزًا، ينتقل في دقائق إلى سكنه الذكي داخل المدينة المتكاملة، ليبدأ نسكه من أقرب نقطة ممكنة إلى قلب المشاعر.
هذا النقل للمسؤولية من مطار الملك عبدالعزيز إلى مطار عرفات الدولي لا يعكس فقط تطورًا تقنيًا، بل يكشف تبدّلًا في رؤية الحج نفسه.
ففي الماضي كانت الكفاءة تُقاس بقدرة منشآت جدة على استيعاب الأعداد الضخمة، أما اليوم فأصبحت تُقاس بقدرة الأنظمة على تقليل زمن الانتظار، ورفع جودة التجربة، وتقليص مسافات النقل، وتحويل الرحلة بأكملها إلى تدفق سلس عالي الدقة.
ومن هنا فإن مدينة الحجاج في جدة لم تختفِ فعليًا، بل أعادت توزيع وظائفها، إلا أن الاقتراح يذهب إلى أبعد من ذلك: إنشاء مركز تشغيل ذكي جديد في مطار عرفات الدولي والمدينة الذكية في عرفات، لتصبح جدة بوابة تاريخية، بينما يصبح عرفات القلب التشغيلي واللوجستي للحج العالمي.
وبهذا المعنى، فإن قصة مدينة الحجاج ليست نهاية، بل انتقال من عصر التنظيم الموسمي في جدة إلى عصر الإدارة الذكية لضيوف الرحمن من قلب المشاعر، مع التأكيد على أن العمل في مدينة عرفات الذكية الجديدة ومطار عرفات الدولي لن يتوقف بانتهاء أيام الحج، بل سيستمر طوال العام في تقديم الخدمات للزوار والمعتمرين والمقيمين، ليغدو هذا المشروع -إن شاء الله تعالي- ركيزةً دائمة للتنمية والخدمة والتنقل والإرشاد، لا مجرد منشأة موسمية مرتبطة بموسم محدد.. مع الدعاء لكل الحجاج.. والعاملين في خدمتهم وهذا الوطن بالأمان والاستقرار والصحة والسلامة للجميع.