فاطمة الجباري
«في القلب شعثٌ لا يلمه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشةٌ لا يزيلها إلا الأنس به، وفيه حزنٌ لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته». للإمام ابن القيم الجوزية.
تمضي الأيام مسرعة، وتبقى بعض المواسم الربانية محطاتٍ للروح قبل أن تكون محطاتٍ للزمن، ومن أعظمها عشر ذي الحجة؛ تلك الأيام التي تفيض بالنور، وتُفتح فيها أبواب الرحمة، وتعلو فيها الأرواح فوق صخب الدنيا وهمومها الصغيرة.
ما بين التكبير والتهليل والتحميد، يشعر القلب أنه يتحرر من أثقال الحياة، وكأن الكلمات المباركة تغسل الروح من تعبها، وتعيد ترتيب الداخل من جديد: الله أكبر.. فوق كل هم، وفوق كل خوف، وفوق كل أمرٍ أرهق القلب وأثقله.
في هذه الأيام المباركة ندرك أن الدنيا مهما ازدحمت لا تستحق أن تكون أكبر همّنا، ولذلك كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا».
فالمؤمن حين يكثر من ذكر الله، يتسع صدره، وتخف وطأة الحياة عليه، لأنه يعلم أن وراء هذا التعب رحمة، ووراء الصبر أجرًا، ووراء الذكر طمأنينة لا تُشبهها طمأنينة.
عشر ذي الحجة ليست أيامًا عابرة، بل نفحات إيمانية أقسم الله بها في كتابه الكريم: {وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ}.
وما أقسم الله بشيء إلا لعِظَم شأنه ورفعة قدره.
هي أيام اجتمعت فيها أعظم العبادات؛ صلاة، وصيام، وصدقة، ودعاء، واستغفار، وحج، وتكبير يملأ الأرض نورًا والسماء أجرًا.
أيام تتضاعف فيها الحسنات، وتُرفع فيها الدرجات، ويقترب فيها العبد من ربه بخطواتٍ صادقة وقلبٍ مُقبل.
فيا سعد من عمّر هذه الأيام بالتكبير: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
رددها بقلبٍ يشعر بعظمة الله، وبروحٍ ترجو رحمته، وبنفسٍ تتمنى أن تكون أقرب إلى الآخرة من تعلقها بالدنيا.
لعل تكبيرةً صادقة تُحيي قلبًا أتعبته الحياة، ولعل حمداً خاشعًا يفتح باب نعمة، ولعل دعوةً في هذه الأيام تكون بداية فرجٍ لا ينتهي.
فهنيئًا لمن أدرك هذه العشر بقلبٍ حي، وجعل منها موسمًا للعودة إلى الله، فالأعمار تمضي ومواسم الطاعة تبقى أثرًا ونورًا ونجاة..
رددها واستشعر حلاوة الإيمان في قلبك.
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر
إذا ضاقتِ الدنيا عليكَ بأسرِها
ففِرَّ إلى الرحمنِ واهتفْ مُكبِّرا
فما خابَ قلبٌ باتَ يذكرُ ربَّهُ
ولَّا عبدٌ عاشَ للهِ ذاكِرا