عبدالعزيز صالح الصالح
حديثي المتواضع هذا يتناول طريقة مراحل تسلُّم (مفتاح الكعبة المشرفة) قبل الإسلام وبعده حسب ما أجمع عليه المؤرخون في تلك الحقبة الزمنية، فقد أشادوا بنبل أخلاق هؤلاء القوم وعمق أدبهم وبعد نظرهم وإنسانيتهم، واعتبروا هذه الجهود المضنية بمثابة إخلاصهم وأمانتهم وتفانيهم وصدق مشاعرهم، منذ أن رفع إبراهيم وابنه إسماعيل -عليهما السلام- قواعد البيت بأمر الباري -عز وجل- (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) سورة البقرة آية (127).
حيث أصبح إسماعيل - عليه السلام - بمكة المكرمة يتابع بدقة واهتمام شؤون البيت الحرام حتى قُبض، ثم توارث أبناء إسماعيل -عليه السلام- شرف سدانة الكعبة المشرفة مدة ليست بالقصيرة، ثم اغتصبها منهم جيرانهم (جرهم) ثم اغتصبها (خزاعة) من جرهم، ثم استردها منهم قصي بن كلاب وهو من أبناء إسماعيل -عليه السلام-، فهو الجد الرابع لسيد الأمة محمد بن عبدالله -صلوات الله وسلامه عليه- فالكل منا يدرك تمام الإدراك مهمة سدانة الكعبة المشرفة فهي حجابتها من فتح بابها وغلقه وتلبيتها، وسائر خدمتها متعلق أمرها بسدنتها بني أبي طلحة الشيبيين.
لأنها ولاية من الباري -عز وجل- ورسوله الكريم حيث إنها لا تقاس بغيرها من الوظائف، فقد أصبحت هذه الوظيفة ثابتة لهم جاهلية وإسلاماً.
بعد أن فتح الله مكة المكرمة، وبعد أن نصر الله المسلمين على كفار قريش، نصراً مؤزراً أخذ سيد الأمة محمد بن عبدالله -صلوات الله وسلامه عليه- بيده الكريمة من المدعو عثمان بن طلحة الحجي سادن الكعبة المشرفة - مفتاح الكعبة المشرفة، ثم دخلها، وطهرها من كافة الأصنام، والأوثان وغسلها بيديه الشريفتين الكريمتين – ثم أعاد مفتاح الكعبة المشرفة مرة ثانية إلى سادن الكعبة -عثمان بن شيبة وتلا الآية الكريمة – قائلاً: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) سورة النساء آية (58).
وبعد ذلك قال له: هاك مفتاحك يا عثمان بن شيبة، غيبوه خذوها، خالدةً تالدةً إلى يوم القيامة لا ينزعها منكم إلا ظالم). وقال - عليه الصلاة والسلام- إني لم أدفعها لكم، ولكن الله دفعها لكم).
وبعد هذا العمل الجبار الذي قام به سيد الأمة - فقد حرص طوال حياته على وحدة المسلمين، حتى أصبحت تلك الوحدة سمة الإسلام البارزة، مما دعا إلى تسوية الصفوف وتراصها - كما قال الباري -عز وجل-: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) سورة الفاتحة آية (5-6).
فقد فرض الإسلام التقاء المسلمين في المناسبات السارة والحزينة على حد سواء فهم يجتمعون في اليوم والليلة خمس مرات في الصلوات الخمس وفي صلاة الجمعة، وصلاة العيدين، وصلاة الاستسقاء، وصلاة الجنازة، وصلاة الكسوف والخسوف.. وما من أمة تسودها هذه الفضائل وهذه الروابط الخيرة لن تخذل ولن يجد إليها سبيلاً.
فقد وضع سيد الأمة للوحدة الإسلامية جملة من الأخلاقيات العالية تحميها من عملية التصدع والتذبذب، وتضمن لها الدوام والاستمرار والصمود أمام التيارات المتلاطمة على مر السنين وفي كل عام وخاصة في اليوم السابع من شهر ذي الحجة تحظى - الكعبة المشرفة من السلطة العليا في البلاد بغسلها - وكسوتها.
ومنذ ذلك التاريخ حتى عصرنا الحاضر فهذه الأسرة الكريمة تقوم بخدمة قبلة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وتعتز تمام الاعتزاز بأعظم أيامها وليالها وتقدرها حق قدرها، فلا يوجد في حياتها شيء أعظم وأعز من يومها الذي تم تكليفها بهذه الأمانة العظيمة من سيد الأمة، فهي بمثابة أمانة كبيرة وعلامة بارزة ومضيئة ومشرقة في حياتهم ووسام لا يعادله وسام على صدورهم، كما أن مفاتيح الكعبة المشرفة ستظل بحول الله وقوته بحوزة أسرة آل شيبة إلى يوم القيامة.. اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتعظيماً إنك سميع مجيب.