محمد البهيدل
في سياق المتغيِّرات الدراماتيكية لدوري روشن للمحترفين، يرفض قطار المنافسة أن يصل إلى محطته الأخيرة دون أن يترك خلفه فصولاً من الإثارة التي تخطف الأنفاس وتأسر القلوب.. حين حبست المستديرة أنفاس الملايين، انحسرت أطماع المجد ولغة الأرقام في زاوية حرجة لا تقبل القسمة على اثنين، لتتحول الجولة الختامية إلى ساحة «معركة تكسير عظام» تدار على جبهتين مشتعلتين: الأولى في المجمعة، حيث يحل الهلال ضيفاً ثقيلاً على الفيحاء، والثانية في العاصمة الرياض، حيث يستدرج النصر نظيره ضمك على أرض ملعب الأول بارك.
يدخل العالمي هذه الجولة وهو يقف على أرض صلبة من الحسابات، لكنها محفوفة بمخاطر اللحظات الأخيرة.. النصر يحمل مفاتيح تتويجه بيده دون منَّة من أحد؛ فالقاعدة الصارمة تقتضي الفوز ولا شيء غير الفوز ليُعلن بطلاً متوجاً لروشن دون تكلّف عناء الالتفات لما يحدث في الساحات الأخرى. ومع ذلك، تبرق أمام النصر سيناريوهات بديلة يتداخل فيها الأمل بالوجل؛ إذ إن تعادله أو حتى خسارته قد تمنحه اللقب، ولكن بشرط قاسم وصارم: أن يسقط الزعيم العالمي الهلال في فخ التعادل أو الهزيمة في المجمعة.. هي وضعية تمنح النصر أفضلية التنوع في الفرص، لكنها تضع أعصابه على صفيح ساخن، إذ إن التفريط في الفوز يعني الدخول في نفق المراهنة على هدايا الآخرين.
على المقلب الآخر من مواجهة العاصمة، لا يبدو ضمك مجرد جسر عبور لطموحات النصر، بل هو رقيب شرس يدافع عن كينونته وبقائه.. الفريق الجنوبي يدرك أن رحلته إلى الأول بارك ليست للنزهة، بل هي صراع وجودي لضمان البقاء ضمن صفوة أندية المحترفين.. يمتلك ضمك خيارين لقطع دابر الشك باليقين وتأمين نفسه رسميًا: التعادل أو الفوز.. هذه الروح الانتحارية لضمك تحول مواجهته مع النصر إلى معادلة شديدة التعقيد؛ فخصم يقاتل للنجاة من الغرق، لا يقل شراسة عن خصم يقاتل لاقتناص التاج.
وفي المجمعة، يدخل الهلال غمار مواجهته أمام الفيحاء بقلب جسور ولكن بخيارات ضيقة كقيد حديدي.. الهلال لا يملك ترف المناورة؛ فخارطة طريقه واضحة ومجردة من أي بدائل ذاتية: الفوز فقط، ثم الفوز فقط.
لكن الانتصار الأزرق في المجمعة لن يكون كافياً وحده لملامسة الذهب، بل يجب أن يقترن بصاعقة تحل في الرياض، تتمثَّل في تعثر النصر بالتعادل أو الخسارة أمام ضمك. يدخل الهلال اللقاء وهو يدرك أن مساعيه مكلَّلة بالصعاب، لكن عادات الكبار تُملي عليه إنجاز مهمته أولاً، وترك الباقي لتقلّبات الأقدار الكروية.
إن هذه الجولة ليست مجرد تسعين دقيقة من الركض، بل هي لوحة شطرنج معقدة، تتحرك فيها البيادق والقلاع تحت ضغوط نفسية رهيبة. إن تنوّع فرص النصر يقابله استبسال ضمك الباحث عن طوق النجاة، وفي الوقت ذاته، فإن آمال الهلال المعلَّقة بشرط تعثّر الجار تجعل من ملعب المجمعة ساحة لانتظار معجزة تأتي من الرياض. هي ليلة سيكتب فيها التاريخ بمداد من نور لطرف، وبدموع الحسرة لأطراف أخرى.
شخصياً أتوقع حدوث السيناريو الأكثر تعقيداً وحصول الهلال على اللقب بفوز صعب جداً على فيحاء المجمعة، ويضمن فريق ضمك العنيد بتعادل من عنق الزجاجة يحطم زجاجة طموح النصر وآمال جماهيره وهبوط مظلي للفريق المغامر (الرياض) بصحبة نجمة عنيزة. وأتوقع أيضاً أن يكون للحظات الأخيرة من عمر المباريات وميل الحظ لفريق عن فريق آخر دوراً كبيراً في تحقيق اللقب وبقاء فريق ضمن فرق الدوري المحترف وهبوط فريق لمصاف أندية دوري يلو.