وائل الغول
ليست الجبهات الخارجية وحدها ما يهدِّد إسرائيل اليوم، فقد يكون التهديد الأكثر تعقيدًا قادمًا من قلب المؤسسة العسكرية نفسها.
في غرف العمليات العسكرية، وفي اجتماعات هيئة الأركان، وفي النقاشات السياسية المحتدمة داخل تل أبيب، يظهر تهديد آخر أقل صخبًا من أصوات الصواريخ والمعارك، لكنه ربما أكثر خطورة على المدى الطويل:
خطر أن تبدأ المؤسسة العسكرية نفسها في التآكل من الداخل.
تحذيرات رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، اللواء إيال زامير، من احتمال «الانهيار الداخلي» لم تكن مجرد تعبير درامي، لكنها تعكس واقعاً خطيراً يهدِّد إسرائيل من الداخل.
بعد أكثر من 19 شهرًا من الحرب متعددة الجبهات، لم يعد الجيش الإسرائيلي يواجه معركة محدودة في مساحة جغرافية ضيقة، بل وجد نفسه يعمل في بيئة استنزاف مفتوحة.
عمليات مستمرة في غزة، وتصعيد على الحدود الشمالية مع لبنان، وانتشار أمني متزايد في الضفة الغربية، وحالة استعداد دائم لاحتمالات إقليمية أوسع.
وسط هذا المشهد، بدأت تظهر أولى الشقوق داخل البنية العسكرية ذاتها: أزمة بشرية غير مسبوقة.
تشير تقديرات عسكرية إسرائيلية إلى أن الجيش يواجه نقصًا يقترب من 15 ألف جندي، بينهم ما بين 7 و8 آلاف مقاتل في الوحدات القتالية، بينما ترفع بعض التقديرات الداخلية الرقم إلى نحو 20 ألفًا.
هذه الأرقام لا تعني مجرد نقص في الأفراد، بل تعني أن وحدات كاملة تعمل بأقل من قدرتها المطلوبة.
إسرائيل تاريخيًا لم تعتمد على جيش ضخم من حيث العدد، بل على نموذج يقوم على التفوق النوعي والتعبئة السريعة والاعتماد على الاحتياط.
لكن هذا النموذج صُمِّم أساسًا لحروب قصيرة وسريعة، لا لحرب طويلة متعددة الجبهات تمتد لأشهر وسنوات.
أزمة النقص البشري لا ترتبط فقط بالخسائر أو اتساع الجبهات العسكرية، بل تتقاطع أيضًا مع واحدة من أكثر القضايا حساسية داخل إسرائيل:
ملف تجنيد الحريديم.
الحريديم يشكلون نحو 13-14 % من السكان الإسرائيليين، وتزداد نسبتهم بوتيرة سريعة داخل الفئات العمرية الشابة بسبب ارتفاع معدلات الإنجاب.
وتشير تقديرات إسرائيلية إلى وجود نحو 80 ألف شخص ضمن الفئة المرتبطة بملف التجنيد والخدمة العسكرية.
لكن المفارقة أن معدلات الالتحاق الفعلية لا تزال منخفضة للغاية مقارنة باحتياجات المؤسسة العسكرية.
ولسنوات طويلة تتمتع عشرات الآلاف من الحريديم بإعفاءات أو استثناءات واسعة من الخدمة العسكرية، باعتبار أن الدراسة الدينية تُعد شكلًا من أشكال الخدمة المجتمعية.
ومع استمرار الحرب واتساع حالة الاستنزاف، تحولت القضية من نقاش اجتماعي وسياسي قديم إلى أزمة عملياتية مباشرة بالنسبة للمؤسسة العسكرية.
في وقت يطالب فيه الجيش بآلاف الجنود الإضافيين لسد فجوة متزايدة في القوى البشرية، تتزايد داخل إسرائيل أصوات ترى أن استمرار الإعفاءات أصبح عبئًا يصعب الدفاع عنه. وفي المقابل، تخشى الحكومة من أن أي خطوات جذرية لفرض التجنيد قد تفجر أزمة داخل الائتلاف الحاكم نفسه.
وهكذا لم تعد أزمة القوى البشرية مجرد مسألة أرقام، بل أصبحت نقطة تقاطع معقدة بين الاحتياجات العسكرية والحسابات السياسية والانقسامات الاجتماعية داخل إسرائيل.
وهنا تظهر الأزمة الثانية:
استنزاف الاحتياط.
منذ أكتوبر 2023، جرى استدعاء أكثر من 100 ألف جندي احتياطي بصورة متكررة.
بعضهم أمضى حتى الآن أكثر من عام من الخدمة التراكمية.
وللمرة الأولى، بدأ الحديث داخل إسرائيل عن حدود قدرة نموذج الاحتياط على الاستمرار.
فجندي الاحتياط الإسرائيلي ليس مجرد عنصر عسكري، بل طبيب ومهندس وصاحب شركة وموظف وأب لأسرة. وعندما تتحول الخدمة المؤقتة إلى نمط حياة دائم، تبدأ التكلفة الاجتماعية والاقتصادية والنفسية في الظهور.
لكن الأزمة الأعمق ربما لا تتعلَّق بالأعداد أو الإرهاق.
داخل المؤسسة العسكرية نفسها، تتزايد المخاوف من تصدعات مرتبطة بالهوية والانضباط.
قضية الجندي الذي عُوقب بالسجن العسكري بسبب ارتدائه شارة «المسيح» خلال زيارة لرئيس الأركان لم تُقرأ داخل إسرائيل باعتبارها حادثة فردية فقط، بل كإشارة إلى نقاش أكبر:
إلى أي مدى يمكن أن تدخل الولاءات الدينية أو السياسية إلى داخل مؤسسة يفترض أن تقوم على هوية عسكرية موحدة؟
في السنوات الأخيرة، تصاعد نفوذ التيارات الدينية والقومية داخل قطاعات من المجتمع الإسرائيلي، وبدأت انعكاسات ذلك تظهر بصورة أوضح داخل بعض الوحدات العسكرية.
هنا يصبح السؤال أكثر تعقيدًا:
هل يستطيع الجيش الحفاظ على تماسكه في مجتمع يزداد انقسامًا سياسيًا ودينيًا؟
المفارقة أن إسرائيل تواجه اليوم معركة مزدوجة.
في الخارج، تخوض حربًا مفتوحة على أكثر من جبهة.
وفي الداخل، تخوض معركة أخرى للحفاظ على تماسك مؤسستها العسكرية.
والحقيقة أن لا تنهار دائمًا تحت ضربات الخصوم.
أحيانًا تبدأ الأزمة من الداخل.
السؤال لم يعد: هل يستطيع الجيش الإسرائيلي خوض الحرب؟
ولكن: كم من الوقت يستطيع الاستمرار في حرب طويلة ومتعددة الجبهات قبل أن ينهار من الداخل؟