د.عيد بن حجيج الفايدي
في كل عام، تتكرر مشاهد حفلات التخرج في الجامعات.. بوصفها لحظة احتفاء جماعي بنهاية مرحلة دراسية وبداية أخرى. غير أن هذه المناسبة، على بساطتها الظاهرة، تخفي وراءها أسئلة أعمق تتعلق بمعنى التخرج ذاته، وحدوده الرمزية التي يمثلها، وطبيعة العلاقة بين المؤسسة التعليمية وطلابها في هذه اللحظة الفاصلة.
لغويًا، يبدو التفريق بين «التخرج» و«التخريج» تفصيلًا صغيرًا، لكنه يعكس دقة في توصيف التجربة؛ فالتخرج هو انتقال وعبور من طور إلى آخر، بينما التخريج يرتبط بالإخراج والاستخراج، وهو معنى لا يستقر في الوعي الجمعي بوصفه وصفًا لهذه اللحظة الإنسانية، ومن هنا، فإن استخدام مصطلح «حفل التخرج» لا يكتفي بالدقة اللغوية فحسب، بل ينسجم مع البعد الرمزي لفكرة الاكتمال والانطلاق.
تاريخيًا، نشأت حفلات التخرج في الجامعات الغربية كطقس أكاديمي يعكس هيبة العلم وصرامة المؤسسة، ومع انتقال هذا التقليد إلى العالم، تلوّن بثقافات مختلفة؛ ففي الغرب، بقي الحفل أقرب إلى عرض منظم بدقة، تحكمه الجداول والانضباط ويعكس مركزية المؤسسة. أما في العالم الآخر، فقد خرج الحفل من إطاره الأكاديمي الضيق ليصبح مناسبة اجتماعية واسعة، تحتفي فيها الأسرة بإنجاز أحد أفرادها بوصفه إنجازًا جماعيًا.
أضفى هذا التحول دفئاً إنسانياً واضحاً، لكنه في الوقت ذاته كرّس نمطاً متكرراً من الاحتفالات، حيث تتشابه الفقرات، وتطول الكلمات الرسمية، ويغيب الابتكار، وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يمكن إعادة تعريف حفل التخرج ليكون أكثر تعبيراً عن تجربة الطلاب أنفسهم؟
إن الفكرة التي تطرح نفسها بإلحاح هي منح الطلاب زمام المبادرة في تنظيم حفل تخرجهم، ليس بوصف ذلك انسحاباً من دور الجامعة، بل باعتباره امتداداً طبيعياً لرسالتها؛ فالطالب الذي أمضى سنوات في التعلم والبحث والعمل الجماعي، يُفترض أنه اكتسب من المهارات ما يؤهله لإدارة حدث يعكس تجربته. وعندما يتولى الطلاب تصميم الحفل، فإنهم لا يغيرون شكله فحسب، بل يعيدون صياغة معناه.
في هذه الحالة، يتحول الحفل من برنامج بروتوكولي إلى قصة إنسانية حيّة؛ فالكلمات تصبح أقرب إلى الاعترافات الصادقة منها إلى الخطب الرسمية، والعروض تعكس تفاصيل الحياة اليومية للطلاب بما فيها من تعب، وطموح، وإخفاقات صغيرة صنعت في مجموعها تجربة ناضجة. حتى لحظة إعلان الأسماء يمكن أن تتحول إلى مساحة للتعبير الفردي بدلاً من كونها إجراءً شكلياً.
ومن زاوية أخرى، يفتح هذا النموذج باباً لمعالجة إشكالية تتكرر في بعض المؤسسات، وهي: إقامة حفلات تخرج لطلاب لم يستكملوا متطلبات التخرج بعد. في النموذج التقليدي، يبدو الأمر تناقضاً يضع الإدارة في موقف حرج، أما حين يصبح الحفل طلابياً، فإن تعريفه يتغير؛ إذ لم يعد إعلاناً رسمياً بالتخرج، بل احتفاء بالرحلة الجامعية نفسها بكل ما تحمله من محطات، مكتملة كانت أم لا.
إن هذا التحول في المعنى لا يقل أهمية عن التحول في الشكل؛ فهو ينقل الحفل من كونه شهادة نهاية إلى كونه لحظة وعي جماعي بالتجربة، كما يمنح الجامعة فرصة لإرسال رسالة ضمنية مفادها: أن ثقتها بطلابها لا تقف عند حدود القاعات الدراسية، بل تمتد إلى تمكينهم من قيادة لحظاتهم الخاصة.
وهنا في هذه اللحظة، لا تكمن قيمة حفل التخرج في فخامته أو تكلفته، بل في صدقه، وأصدق اللحظات هي تلك التي يروي فيها الإنسان قصته بنفسه لا أن تُروى عنه. حينها فقط، يصبح التخرج أكثر من مناسبة عابرة؛ يصبح تدريباً وتمريناً عملياً على الحياة القادمة، حيث لا نصوص جاهزة، ولا أدوار مفروضة، بل مسؤولية كاملة عن صناعة المعنى.
وبين قبعة تُلقى في الهواء وابتسامة تختلط بدمعة فرح، تتجلى الحقيقة الأهم: أن التخرج ليس نهاية الطريق، بل أول اختبار حقيقي لقدرة الطالب على السير في هذه الحياة.