د.شريف بن محمد الأتربي
تلقيت دعوة من الشبكة العربية للإبداع والابتكار لحضور ملتقى الابتكار في زمن التحديات، وكأن القائمين عليها قد لمسوا ما يجيش به قلبي، وينشغل به عقلي نحو الابتكار وأهميته للمجتمعات، وكيف أنه يعد طوق النجاة من الأزمات، في زمن تعددت فيه الأزمات، وندرت فيه الحلول لغياب الفكر الابتكاري وقتل الإبداع ووأده في مهده من قبل حاملي شعار: ليس في الإمكان أفضل مما كان. فكان هذا المقال المعبر عن ضيق صدر يبحث عن الغد قبل فوات الأوان.
في زمن تتسارع فيه التحولات التقنية والاقتصادية والمعرفية بوتيرة غير مسبوقة، لم يعد الابتكار ترفًا فكريًا أو نشاطًا محدودًا بالنخب العلمية، بل أصبح ضرورة وجودية للأمم والمؤسسات والأفراد. فالدول التي امتلكت القدرة على الابتكار استطاعت أن تتجاوز الأزمات، وتحقق التنمية، وتصنع لنفسها مكانة عالمية مؤثرة، بينما بقيت المجتمعات التي اكتفت بالاستهلاك والتقليد رهينةً للتبعية والتأخر. من هنا تأتي أهمية الملتقيات الفكرية والعلمية التي تعيد تسليط الضوء على قيمة الابتكار بوصفه محركًا للتقدم، مثل ملتقى «الابتكار في زمن التحديات» الذي تنظمه الشبكة العربية للإبداع والابتكار بالتعاون مع مجموعة طلال أبو غزالة العالمية الرقمية والهيئة العربية للبث الفضائي والرقمي.
لقد أثبتت التجارب العالمية أن الابتكار لا يرتبط فقط بالاختراعات التقنية الكبرى، بل يبدأ من طريقة التفكير، ومن قدرة الإنسان على رؤية المشكلات بوصفها فرصًا للحلول والتطوير. فكل فكرة جديدة تُسهِم في تحسين التعليم، أو تطوير الخدمات، أو رفع كفاءة الإنتاج، أو تسهيل حياة الناس، هي شكل من أشكال الابتكار. ولذلك فإن المجتمعات الحديثة لم تعد تسأل: هل نحتاج إلى الابتكار؟ بل أصبحت تسأل: كيف نجعل الابتكار أسلوب حياة وثقافة مجتمعية؟
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه المجتمعات اليوم هو أن تظل مستهلكة لأفكار الآخرين وتقنياتهم، لأن ذلك يجعلها تابعة اقتصاديًا ومعرفيًا، ويضع مستقبلها في يد غيرها. فالاعتماد على الخارج في التكنولوجيا والصناعة والمعرفة لا يضمن الاستدامة، ولا يحقق الأمن التنموي الحقيقي. ومن هنا فإن الاستثمار في الابتكار المحلي لم يعد خيارًا، بل أصبح مسألة سيادة وتنمية واستقلال. وكل فكرة يولدها طالب في مدرسة، أو باحث في جامعة، أو مواطن بسيط في مجتمعه، قد تتحول إلى مشروع، أو منتج، أو حل وطني يخلق قيمة اقتصادية واجتماعية حقيقية.
لهذا السبب، فإن بناء ثقافة الابتكار يجب أن يبدأ مبكرًا داخل المدارس، لا بوصفه نشاطًا إضافيًا، بل كجزء من فلسفة التعليم نفسها. فالطالب الذي يُسمح له بالتجريب، والتساؤل، والمحاولة، والخطأ، يصبح أكثر قدرة على الإبداع من الطالب الذي يُطلب منه الحفظ والتلقين فقط. إننا بحاجة إلى مدارس تفتح المجال أمام الطلبة والطالبات للتفكير الحر، وتصميم الحلول، وبناء المشاريع، والمشاركة في المسابقات العلمية، وتحويل الأفكار إلى نماذج واقعية. فالعقول الصغيرة اليوم هي التي ستقود اقتصاد المعرفة غدًا. كما أن الجامعات ومراكز البحث مطالبة بدور أكبر في تحويل البحوث العلمية من أوراق محفوظة في الأدراج إلى تطبيقات عملية ومنتجات قابلة للتنفيذ. فالبحث العلمي الحقيقي لا يقاس بعدد الصفحات المنشورة فقط، بل بقدرته على حل مشكلات المجتمع، وتحسين جودة الحياة، ودعم الاقتصاد الوطني. ولذلك فإن تمكين الباحثين والباحثات من بيئات مرنة وداعمة للابتكار، وتوفير الحاضنات والمسرعات والمنصات التمويلية، يمثل خطوة جوهرية نحو بناء اقتصاد قائم على المعرفة والإبداع.
ولا ينبغي أن يُحصر الابتكار في النخب الأكاديمية أو التقنية فقط، فالمواطن العادي أيضًا يمتلك قدرة فطرية على الابتكار حين يجد البيئة المشجعة والداعمة. فكم من فكرة بسيطة تحولت إلى مشروع ناجح، وكم من تجربة فردية أصبحت حلًا لمشكلة مجتمعية واسعة. إن المجتمعات المتقدمة هي التي تؤمن بأن كل فرد قادر على الإسهام، وأن الإبداع ليس حكرًا على أحد. ولذلك فإن نشر ثقافة الابتكار بين جميع فئات المجتمع يخلق حالة من الحراك الفكري والإنتاجي القادر على صناعة المستقبل.
إن الابتكار في العصر الحديث لم يعد مجرد وسيلة للتطور، بل أصبح الطريق الأهم لتحقيق الاستدامة. فمن خلاله يمكن تطوير حلول للطاقة، والمياه، والتعليم، والصحة، والاقتصاد، والبيئة. كما أن الابتكار يعزز الاعتماد على النفس، ويقلل الفجوة مع الدول المتقدمة، ويمنح المجتمعات قدرة أكبر على مواجهة الأزمات والتحديات المتغيرة. وكلما زادت قدرة المجتمع على إنتاج المعرفة والحلول، قلت حاجته إلى الاستيراد الفكري والتقني من الخارج.
وفي العالم العربي، نحن اليوم أمام فرصة تاريخية للانتقال من مرحلة استهلاك الأفكار إلى مرحلة صناعتها. ولدينا من الطاقات الشبابية والعقول المبدعة ما يؤهلنا لذلك، لكن الأمر يحتاج إلى بيئات تعليمية مرنة، وتشريعات داعمة، وتمويل محفز، وإيمان حقيقي بأن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأكثر قيمة واستدامة.
إن الابتكار ليس شعارًا يُرفع في المؤتمرات، بل ثقافة تُبنى، ومهارة تُنمّى، وبيئة تُصنع. وحين يصبح الابتكار جزءًا من المدرسة، والجامعة، والأسرة، والإعلام، ومؤسسات الدولة، سنكون أمام مجتمع قادر على صناعة مستقبله بنفسه، لا انتظار ما يصنعه الآخرون له. وفي زمن التحديات، لا يملك فرصة البقاء والتقدم إلا من يمتلك القدرة على الابتكار.