صبحي شبانة
في منعطفات التحول الكبرى لا تُقاس أوزان الأمم بما تمتلكه من أدوات وعناصر للقوة فقط، بل بما تمتلكه من قدرات على إدارة توجيه عجلة القيادة وهي تحاول جاهدة للخروج من دائرة الخطر، فهناك أزمنة لا يكفي فيها أن تقف الدولة مكتوفة وان احتمت بدروع النجاة، بل يصبح السؤال الأعمق:
كيف تكون الامة فاعلة وقت الخطر؟ وبأي عقل تُدير أزمتها رغم التناقضات التي تلم بها؟
العالم العربي، في هذه المرحلة الزمنية الفارقة تحديدًا، لا يبدو خارج حركة التاريخ، لكنه يبدو أحيانًا وكأنه يقف أمام مرآة واسعة لا تعكس صورة واحدة، بل صورًا متعددة تتزاحم فيها الاتجاهات وتتداخل فيها القراءات من زوايا متباعدة، وبين ما هو قائم وما ينبغي أن يكون، تتشكل لحظة ضبابية لا تُحسم فيها القضايا بقدر ما ينبغي لها أن تُدار، ولا تُحل فيها الإشكالات بقدر ما يجب أن تُؤجل.
وفي مثل هذه اللحظات المفصلية من التاريخ يصبح السكون الاستراتيجي الظاهري خادعًا، لأن ما يبدو استقرارًا قد يكون مجرد توازن مؤقت وسط مناخ وبيئة غير مستقرة، وما يبدو خلافًا عابرًا قد يكون في جوهره تعبيرًا عن خلل أعمق في طريقة إدراك حجم المخاطر ومدى القدرة على فهم مآلاتها، وما يمكن أن ينتج عنها، هنا تحديدًا، لا تعود الأسئلة ترفًا فكريًا، بل تتحول إلى ضرورة لفهم أبعاد الزوايا واتجاهات المسار قبل أن يتحدد شكل المصير.
ففي الجغرافيا التي تتسع فيها دائرة المصالح وتضيق فيما بينها المسافات بين مصادر الثروة ومضائق وممرات العبور، لا يعود الأمن القومي العربي مفهومًا نظريًا يمكن تداوله في قاعات البحث أو بيانات القمم العربية او الخليجية، بل يتحول إلى معادلة يومية معقّدة، تتقاطع فيها الإرادة السياسية مع حقائق الجغرافيا وقواعد النظام الدولي، ومن هذه الزاوية تحديدًا، يبرز السؤال الذي طالما شغل العقل السياسي العربي: هل الأمن الإقليمي في دول الخليج العربية كيان مستقل بمفاهيمه وأدواته، أم أنه جزء عضوي من الأمن القومي العربي؟
ولماذا يبدو العرب، عند كل أزمة، وكأنهم ينطلقون من نقطة الصفر في تعريف هذا المفهوم، بدلا من البناء التراكمي عليه؟
في الظاهر، يبدو أن هناك تمايزًا بين المفهومين؛ فالأمن الإقليمي في الخليج ينطلق من خصوصية جغرافية شديدة الحساسية، حيث تتركز منابع الطاقة العالمية، وتتشابك خطوط الملاحة في ممرات ضيقة، وتتصارع إرادات دولية كبرى على النفوذ والتأثير، هذه الخصوصية فرضت على دول الخليج نمطًا معينًا من التفكير الأمني، قائمًا على سرعة الاستجابة، وتعدد التحالفات، والاعتماد على مزيج من الردع الذاتي والضمانات الدولية، في المقابل، يحمل الأمن القومي العربي طابعًا أوسع وأشمل، يتجاوز الجغرافيا الضيقة إلى فضاء حضاري وسياسي ممتد، يفترض نظريا وحدة المصير وتكامل المصالح بين الدول العربية.
غير أن هذا التمايز، عند التمحيص، ليس اختلافًا في الجوهر بقدر ما هو اختلاف في مستوى النظر، فالأمن الخليجي ليس خارج الإطار العربي، بل يمثل إحدى دوائره الأكثر حساسية وتأثيرًا، إن أي اضطراب في الخليج، سواء كان عسكريًا أو اقتصاديًا، لا يبقى محصورًا في حدوده، بل يمتد أثره فورًا إلى بقية الدول العربية، عبر أسواق الطاقة، وحركة التجارة، وحتى التوازنات السياسية، ومن هنا، فإن الفصل بين الامن القومي ، والامن الإقليمي ليس فقط تبسيطًا مخلًا، بل هو أحد أسباب الإرباك الاستراتيجي الذي يعاني منه العالم العربي.
لكن إذا كانت العلاقة بين المفهومين بهذه الدرجة من الترابط، فلماذا يختلف العرب عند كل اختبار حقيقي؟
لماذا يتحول الأمن القومي العربي، في لحظات الأزمات، من إطار جامع إلى ساحة خلاف مفتوحة؟ الإجابة لا تكمن في غموض وضبابية المفهوم بقدر ما تكمن في تعدد تعريفاته، واختلاف زوايا النظر إليه، فلكل دولة عربية تجربتها الخاصة، وهواجسها الأمنية، وأولوياتها التي لا تتطابق بالضرورة مع غيرها، هناك من يرى الأمن من زاوية سيادية، حيث تُقدَّم الحدود الوطنية على أي اعتبار آخر، وهناك من ينظر إليه كامتداد لفكرة الأمة، حيث يصبح الخطر على أي دولة عربية تهديدًا للجميع، وبين هذين التصورين، تتشكل مساحات واسعة من التباين، تغذيها أحيانًا حسابات السياسة، وأحيانًا أخرى ضغوط الواقع.
يضاف إلى ذلك عامل آخر لا يقل أهمية، وهو غياب آلية مؤسسية فاعلة قادرة على تحويل المفهوم إلى سياسات عملية، فالأمن القومي العربي ظل، لعقود، أقرب إلى شعار تعبوي منه إلى مشروع استراتيجي متكامل، لم تُبنَ حوله منظومات ردع مشتركة حقيقية، ولم تُصغَ له عقيدة أمنية موحدة، بل تُرك ليخضع لتوازنات اللحظة، وتحولات التحالفات، وتقلبات المصالح، وهكذا عند كل أزمة، يجد العرب أنفسهم أمام مفترق طرق، يفسر كل طرف فيه الأمن القومي وفق زاويته الخاصة، فتتباعد المواقف بدلا من أن تتقارب.
في هذا السياق المعقد، تبرز أهمية الدول المحورية، لإعادة ضبط البوصلة، بما لها من قدرة على صياغة تصورات جامعة، غير أن هذا الدور، لكي يكون فاعلًا، يحتاج إلى الانتقال من رد الفعل إلى الفعل، ومن إدارة الأزمات إلى بناء الإستراتيجيات.
أول ما يتطلبه هذا الدور هو إعادة تعريف الأمن القومي العربي تعريفًا عمليًا، يخرج به من فضاء العموميات إلى حيز تحديد مفهوم الامن القومي العربي في ضوء التحديات والتهديدات الراهنة والمستقبلية، المطلوب ليس إعادة إنتاج الخطاب التقليدي، بل صياغة مفهوم يحدد بوضوح ما هي التهديدات الأساسية، وما هي الأولويات المشتركة، وكيف يمكن التوفيق بين مقتضيات الأمن الوطني لكل دولة ومتطلبات الأمن الجماعي، فالتناقض الظاهري بين المستويين يمكن تجاوزه إذا ما أُعيدت صياغته ضمن معادلة تكامل، لا تنافس.
وثاني ما يتطلبه هو بناء منظومة ردع عربية متعددة الأبعاد، لا تقتصر على الجانب العسكري، وإن كانت لا تستغني عنه، فالردع في عالم اليوم لم يعد يُقاس فقط بعدد الجيوش أو حجم التسليح، بل بقدرة الدول على التنسيق السياسي، والتكامل الاقتصادي، واستخدام أدوات التأثير المختلفة بشكل متناغم، إن وضوح الرسائل وتماسك المواقف قد يكونان، في كثير من الأحيان، أكثر فاعلية من استعراض القوة ذاته.
أما المستوى الثالث، وربما الأهم، فهو إدارة الخلافات العربية بطريقة تحول دون تحولها إلى ثغرات ونتوءات أمنية، فالخلاف بين الدول ليس استثناءً، بل هو جزء طبيعي في العلاقات الدولية، لكن الخطورة تكمن في غياب الأطر التي تنظمه وتمنع انزلاقه إلى صراع مفتوح، وهنا، يمكن للدول المحورية أن تلعب دور الوسيط الضامن، الذي لا يلغي الخلاف، لكنه يضع له حدودًا، ويمنع تحوله إلى عامل تفرقة وتشرذم وإضعاف جماعي.
إن التحدي الذي يواجه العالم العربي اليوم لا يتعلق فقط بتعريف الأمن القومي العربي، بل بقدرتهم على إدراك الترابط العميق بين دوائره المختلفة، فالأمن الإقليمي في الخليج، بما يحمله من حساسية استراتيجية، لا يمكن فصله عن الأمن القومي العربي، كما لا يمكن لهذا الأخير أن يكتسب معنى حقيقيًا إذا ظل منفصلًا عن واقعه الإقليمي، فالعلاقة بينهما ليست علاقة بديلين، بل علاقة تكامل، حيث يشكل كل منهما امتدادًا وتعضيدا للآخر.
وفي النهاية، يبقى السؤال معلقًا على إرادة الفعل العربي: هل يظل الأمن مفهومًا مختلفًا عليه، يُعاد تعريفه عند كل أزمة وفق حسابات اللحظة، أم يتحول إلى مشروع استراتيجي مستدام، يُبنى عليه ولا يُعاد بناؤه في كل مرة؟
الإجابة على هذا السؤال لن تحدد فقط شكل الأمن في الخليج، بل ستحدد مستقبل النظام العربي بأكمله، بين أن يكون فاعلًا في معادلات القوة، أو مجرد ساحة تتقاطع فيها إرادات الآخرين.