د. إبراهيم الشمسان أبو أوس
تفضل علي أخي الأستاذ الدكتور: محمذن بن أحمد بن المحبوبي بإطلاعي على ورقة بحثية مباركة عنوانها (الإسهام اللغوي في بلاد شنقيط عنوان للأصالة والإثراء: وقفات مع جهود القوم في التأليف والإقراء)، وهي ورقة زوت طائفة من جهود علماء موريتانيا، أطافت بأسماء أبرزهم، وبجملة من العلوم اللغوية، وبطرائق التلقي، وبكيفيات التأليف المعتمد على السرد النثري أو الضبط النظمي. وهي جديرة بالتعميق والتوسيع لتكون كتابًا شاملًا يرصد حركة إحياء التراث وتعليم علوم العربية في هذه البلاد المباركة.
بيننا وبين إخواننا في موريتانيا أواصر محبة وتقدير، فما زالت أفئدة منهم تهوي إلى البلاد المقدسة للحج والعمرة أو زيارة المسجد النبوي، ورحلاتهم إلى بلاد الحجاز قديمة جدًّا، ومنهم من آثر العيش في المدينة المنورة، منهم عائلة الأنصاري الذي نبغ منهم الأستاذ عبدالقدوس الأنصاري (1403هـ/ 1983م) صاحب مجلة المنهل التي صدر جزؤها الأول في عام 1355ه/ 1937م، وصفت بأنها مجلة تخدم الأدب والثقافة والعلم، وصدّرها بعد المقدمة بمقالة بعنوان (شخصية الملك ابن سعود: استعراض وتحليل)، وله عدد من الأعمال الأدبية والعلمية منها: آثار المدينة المنورة، صدر عام 1353 هـ. وإصلاحات في لغة الكتابة والأدب، والأنصاريات، مجموعة شعرية صدرت عام 1384هـ، وتاريخ مدينة جدة، والملك عبد العزيز في مرآة الشعر، ومع ابن جبير في رحلته. ومنهم أستاذنا الأستاذ الدكتور عبدالرحمن الطيب الأنصاري المؤرخ الآثاري المشهور(2023م)، وكان الأنصاري رائدًا أكاديميًا أسس دراسة علم الآثار في المملكة العربية السعودية، إذ أنشأ تخصص علم الآثار في قسم التاريخ بجامعة الملك سعود، ثم في قسم الآثار والمتاحف عام 1978م، ولعلّ أبرز ما يُعرف به الأستاذ الأنصاري قيادته للتنقيبات الأثرية في مدينة قرية الفاو بين عامي 1972 و1995م أثناء عمله في جامعة الملك سعود. وفي عام 1982م، ألّف كتابًا بعنوان «قرية الفاو: صورة للحضارة ما قبل الإسلامية في المملكة العربية السعودية»، عرض فيه نتائج المواسم الستة الأولى من التنقيب. ومنهم أيضًا الطالب اللامع في جامعة المك سعود نختيرو محمد محمود الغوث درس البكالوريوس والماجستير فيها، وتغير اسمه بعد إلى مختار، ومن أعماله (لغة قريش) وهو رسالته للماجستير، و(الحقيقة والخيال في الغزل العذري والغزل الصريح)، و(في بناء الفكر)، و(العقل أولًا)، ومن أشهر العلماء وأكثرهم تأثيرًا محمد الأمين الشنقيطي.
كتب الشيخ العلامة محمد بن ناصر العبودي شيخ الرحالين والمعجميين كتابًا وثّق فيه رحلته إلى موريتانيا سماه (كتاب إطلالة على موريتانيا) جاء في ص 105 حديث عن (المحضرة) وهي دار العلم، قال: «إنها المدرسة العظيمة التي أخرجت فطاحل العلماء، والحفاظ الذين تفتخر بهم موريتانيا، بل يفتخر بهم العرب، فمنهم أعلام في اللغة مثل الشيخ محمد بن التلاميذ التركزي الشنقيطي، وفي التفسير والأصول مثل زميلنا في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي صاحب أضواء البيان وغيرهم من العشرات بل المئات من العلماء الذين طبق صيتهم الآفاق، وخلفوا من تلاميذهم ومريديهم من هم في مصاف كبار العلماء في العالم الإسلامي».
لفت انتباهي ما ساقه أ.د. المحبوبي عن الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، قال «إذ سعى هنالك إلى التفريق بين القصيرات والقصائر، منتهيًا إلى أن الأولى جمع قصيرة ضد طويلة، وأن الثانية جمع قصيرة بمعنى مقصورة، أي محبوسة فهي فعيلة بمعنى مفعولة. وقد استدل لذلك بقول كثيّر:
وأنت التي حببت كل قصيرة
إلى وما تدري بذاك القصائر
عنيت قصيرات الحجال ولم أرد
قصار الخطا شر النساء البحاتر»
وهذا التفريق متوقف فيه، فالقصيرة بالمعنيين منتهية بتاء التأنيث وجمعها القياسي بالألف والتاء، فالقصيرات جمع قصيرة بمعنى مقصورة وكذلك هو جمع قصيرة القامة، وليس في بيت كثيّر شاهد بل لعل التأمل فيه يبين أنه استعمل قصيرات جمعًا لمقصورة. وجاء التفريق في معجم لسان العرب(5/ 99) بين جمعين (قصائر وقصار) قال: «وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الحَجَلَةَ المقصورةَ والقَصُورَةَ، وَتُسَمِّي الْمَقْصُورَةَ مِنَ النِّسَاءِ القَصُورة، وَالْجَمْعُ القَصائِرُ، فإِذا أَرادوا قِصَرَ الْقَامَةِ قَالُوا: امرأَة قَصِيرة، وتُجْمَعُ قِصارا».
وتحدث عن الشيخ سيد المختار الكنتي (ت 1226هـ) الذي ألف موسوعة نحوية بالغة الأهمية سماها (بغية النبيل على بيان جمل التسهيل). ومما أورده عنه قوله: «ولعل من أطرف ما أشار إليه الشيخ في كتاب البغية إشارته إلى أن الجملة قد ترد توكيدًا؛ ولكن على وجه الشذوذ، وذلك ما عبر عنه بقوله:
وأكدوا بالاسم والفعل ك ذا
بالحرف والجملة في ما شذذا»
ولا أعلم أحدًا وصف توكيد الجملة بالجملة بالشذوذ.