د.عبدالإله آل سودا
يَشيع في الكتابات المعاصرة استعمال كلمة «تَـنْـويْـه/نَـوَّه» ويُراد بها في الكتابات المعاصرة الدلالتان الآتيتان:
1- التنبيه دون إشادة أو مدح (مُتَدَاوَلَة بكثرة). كقولهم في شائع الكلام: «وعلى ذلك جَـرَى التنويه»، أو قولهم: «أنوِّهُ إلى أنّ المحاضرة القادمة ستكون كَيْتَ وكيْت».
2- ذِكْرُ الشيء على جهة المدح والثناء. (متَدَاوَلة بقلة). كقولهم: «أعجَبَني تنويه المديرِ بالموظفين».
وقد أشار بعضُ المهتمين بالتصحيح اللغوي إلى أن استعمال «نَوَّهَ/ تنويه» بمعنى التنبيه فَحَسْب؛ هو استعمالٌ خاطئ، وأنّ الصواب هو اقتصارُها على معنى الإشادة والثناء.
ولكنَّ المُطَّلع إذا أجال نظره في المعاجم اللغوية القديمة، سيَـجدُ ما يُسوّغ استعمالَ «نَوَّهَ/ تنويه» بمعنى التنبيه، إذ أشارتْ هذه المعاجمُ إلى أن دلالة نَوَّه تنويهًا تدور حول العلو والارتفاع. ولأن العلو والارتفاع يترتب عليه البروز والإبراز؛ صَحَّ معه استعمال نَوَّهَ بمعنى أبرز الشيء ونَبَّهَ إليه ليُهتمَّ به، ومنه إبراز الصوت لكي يُسمَع، حيث جاء في «لسان العرب»:
«إذا رفَعْتَ الصوتَ فدَعَوْتَ إنسانًا قلتَ: نَـوَّهْتُ».
ورَفْعُ الصوت هنا هو إبراز له ليُنتبه إليه. ويُلحظُ في هذا النصّ أنه لا يَدل بتاتًا على معنى الإشادة والثناء، بل هو صريحٌ في الدلالة على معنى التنبيه. يُضاف إليه ما جاء في «لسان العرب» أيضًا:
«وفي حديث الزبير أنه نَـوَّهَ به عليٌ. أي شَـهَـرَه وعَـرَّفَه».
وفي هذا النص لا نَجد معنى للإشادة والثناء، وإنما هو التعريف والإشهار إذْ معنى «نَوَّه عَليٌّ بالزبير» أي رفع صوتَه باسمه ليعرفَه الناس، ولا تعني بالضرورة الإشادة والثناء.
والمقصود هو أن «نَـوَّه يُنوّه تنويه/تنويهًا» شاع في الكتابات المعاصرة استعمالُها بمعنى التنبيه، مع حمولةٍ دلالية أضيفتْ إليها وهي: الأهمية؛ فـ«التنويه» -في رأيي- هو تذكير مع الأهمية، أمّا «التنبيه» فلا يَلزَمُ ذلك. ويؤيّد صحةَ هذا التفريق، أنَّ أصل«التنويه» هو الرفْعُ بالشيء وإشهارُه، يُقال: «ناهَت الناقةُ: إذا رفَعت رأسَها وصاحت» ففِعْلُ التنويه الذي تؤدّيه الإبلُ لم يَقتصر على رفع الرأس الذي هو إشهار، بل امتدّ إلى الصياح؛ فالتنبيه هنا زائد. وعليه يُمكن القول: كُلُّ تنويهٍ تنبيهٌ، وليس كل تنبيهٍ تنويها.
والمعاصرون الذين خَـطَّؤوا استعمال «نَوَّه/تنويه»، هم على صنفين؛ صنف لم يناقش المعنى اللغوي لكلمة «نَوَّهَ/تنويه»، حيث رآها تقتصر على معنى الإشادة والثناء. واهتموا بتركيبها نحويًا، كما في مِثال: «نَـوَّهَ عن كتابه الجديد»؛ فخَطَّؤوا تعدية الفعل «نوّه» بـ«عن»، وجعلوا الصوابَ تَعديتَهَا بـ«الباء» على نحو: «نَـوَّه بكتابه الجديد» أي أشاد به ومدحه. وكذلك غَلَّطُوا استعمال التركيب: «وقد نَوَّه المديرُ إلى ذلك»؛ فقالوا إن تعدية «نَـوَّهَ» بـ«إلى» خطأ، والصواب هو تعديتها بالباء. وهم مصيبون في هذه المسألة.
وصنفٍ ناقشوا الاستعمال اللغوي المعجمي لكلمة«نَـوَّهَ/تنويه»؛ فخَطَّؤوا استعمالَها بمعنى التنبيه المُجرَّد، وأشاروا إلى أنها لا تَدل على هذا المعنى، وإنما يقتصر معناها على الإشادة والثناء. وأول من أشار إلى ذلك إبراهيم اليازجي(توفي 1906م) في العصر الحديث، وتَبعه على ذلك كثير من المهتمين بالتصحيح اللغوي. والحَقُّ أنهم ضَيّقوا واسعًا، ذلك أنّ المعاجم اللغوية القديمة تشير إلى صحة استعمال «نَوَّه/تنويه/التنويه» بمعنى التنبيه، وقد ذكرتُ شيئًا من ذلك فيما سلف، ويضافُ إليه كلامُ شيخ الفصحاء الجاحظ حيث قال في أحد كُتبه: «وربما وضعوا الكلمةَ بدل الكلمة، يريدون أن يُظهروا المعنى بأبيَن لفظ، إمّا تنويهًا وإمّا تفصيلا» أيْ إمّا إشارةً مُجمَلَة إليه وتنبيهًا عليه، وإمّا بتفصيل الكلام. وهنا نجد مقابلةً بين «التنويه» و«التفصيل» وبذلك يكون معنى «التنويه» أيْ مُجرد الإشارة والتنبيه خلافًا لمقابِلِها وهو التفصيل. ومن المرصود هنا أنّ الجاحظ لا يَقصد معنى الإشادة والثناء.
إذَنْ، لنا سَعَةٌ في استعمال «نَـوَّهَ/تنويه» قاصدين معنى التنبيه، ولاسيما إذا كان المُنبَّه إليه مهمًا؛ إذِ التنويهُ يعني رفعَ الصوت بالشيء طَلَبًا لانتباهه. ومن الملحوظ أن المعاصرين هَجَروا -إلا قليلاً منهم- استعمالَ «نَـوَّهَ/تنويه» بمعنى الإشادة والثناء والمدح، وراج لديهم استعمالها بمعنى التنبيه للشيء المهم، فلا ضرورة للتضييق اللغوي عليهم بتخطئة استعمالٍ أقلُّ أحوالِه أنّ فيه شبهةَ صحةٍ لغوية.
وأختمُ بلفت نظر القارئ إلى التشابه الصوتي بين «التنبيه» و «التنويه»، حتى لكأنّ الكلمتين شقيقتان، لا يَحلُّ لأحدٍ أن يبني بينهما سدّاً، أو أنْ يَدُقَّ إسفين الفرقة الدلالية بينهما، هما توأمٌ يَنزعان إلى مَحْتِدٍ واحد، ورَحِمٍ جامعة.