أ.د.عبدالله بن أحمد الفيفي
في المساقات الماضية، انتهينا مع (ذي القُروح) إلى اتفاق قَيصري -كاتفاق (ترمب) مع (إيران)- خلاصة بنوده، أنَّه لا يلزم فنونَ السَّرد شرحُ تفاصيل المسكوت عنه على الملأ. بل إنَّ في هذا خطأً في فهم وظيفة الكتابة أصلًا، ووظيفة الأدب خاصَّة. وأنَّ الإشكال هنا يتخطَّى بنا الضَّلال عن طبيعة الكتابة ووظيفتها إلى الدخول إلى دائرة الترويج للمسكوت عنه نفسه والإغراء به. قلتُ:
ـ قرِّب الصُّورة!
ـ لنأخذ هنا نموذج مواسمنا الرمضانيَّة للضحك والتهريج. ويا للمفارقة، أن يصبح رمضان موسم لهوٍ ولعبٍ وقِلَّة أدبٍ أحيانًا!
ـ حسنًا أن احترزتَ بـ«أحيانًا»!
ـ أنت لَمِظٌ لَماظًا عجيبًا، يا صديقي! نعم، لقد صار رمضان موسمًا يُعَدُّ له طوال العام، من أجل بثِّ أعمال هابطة غالبًا، بمقاييس العقل والتربية والفنِّ والقِيَم كافَّة. واستمرأتْ المسلسلاتُ الرمضانيَّة الإثارة، والضَّحك للضَّحك على ذقون المشاهدين، وبأيَّة صورةٍ من الصُّوَر، تكرُّها القنوات على أدمغتهم كلَّ عام. ومن ثَمَّ تأخذ على عاتقها الترويج لقِيَمٍ فاسدةٍ لمجرَّد لفت الأنظار، وإثارة الجدل، وفتح الأفواه بشكلٍ أو بآخر، عِوض أن تحاول معالجة قضايا المجتمع بمسؤوليَّة. ولستُ أدري هل القائمون على ذلك قد بلغ بهم تدنِّي الرؤية إلى ذلك الحدِّ، الذي لا يُتيح لهم التنبُّه إلى خطورة ما يفعلون؟ ولاسيما بحقِّ فئاتٍ هي معظم المشاهدين، كالأطفال والمراهقين ومَن لم يُؤتَوا حظًّا كافيًا من الثقافة والحِسِّ النقديِّ للتمييز بين غَثِّ الأمور وسمينها، وبين حقِّها وباطلها، وحقيقتها وخيالها. أم أنَّ المغرِيات باتت تُسوِّغ ذلك كلَّه رغم الأنوف؟ وإلَّا فكيف يُسوَّغ لها تكرار الفكاهات السمجة، عن طريق إبراز قيم ثقافيَّة سيِّئة، كالعنصريَّة ضِدَّ شعوبٍ أخرى، ومنها العَرَبيَّة والإسلاميَّة، تنقُّصًا وسخرية؟ وهل تنقُص مجتمعنا العَرَبي تلك الأمراض العريقة المزمنة؟! أم كيف يُسوَّغ تكرار استثارة الضَّحك بتمثيل سلوكيَّات اجتماعيَّة مُضِرَّة بالأمن الاجتماعي، مثيرة لبعض الشباب، كمهارات «التفحيط/ التقحيص/ التشفيط»؟ وكيف يُسوَّغ البحث عن ضحكة المشاهد بالتهكِّم بكبار السن، وبالوالدَين، أو تشخيص المقالب بين الأصدقاء، وبطرائق مشينة، ربما بدت أقرب إلى الترويج للجريمة؟ حتى لقد بلغ من طرائف أحد مسلسلاتنا المشهورة محليًّا عبر قرابة عقدين من السنوات- وبحسب ذوق القائمين عليه- أن قدَّم مشهدًا في أحد الرمضانات لصديقَين يشوي أحدهما للآخَر كلبًا، ويقدِّمه له على أنه لحمٌ حلال، ثمَّ يُقدِّم أباه الأعمى للصَّلاة أمام حوض سباحة، لينكبَّ عند سجوده على وجهه في الحوض، والمشاهدون في أثناء ذلك يشاهدون ويضحكون في بلاهة! قد يتقزَّزون بادئ الأمر، ثمَّ يصبح الأمر اعتياديًّا لديهم بعد حين، ويدخل في باب المعابثات الممكنة بين الناس. وسيظهر من السُّفهاء من يحاكي ذلك. ألَـم يأت ذلك في أشهر مسلسلٍ محلِّي، وفي أكرم شهور الله، شهر رمضان المبارك؟ وماذا في ذلك؟!
ـ معك حق «أحيانًا»! ثَمَّة مشاهد متلفزة تُرمَى في وجه المُشاهد بصفاقة، وبلا هدف، سِوَى انتزاع ضحكةٍ ساذجةٍ من هنا، أو كالحة من هناك، ليُفطر الصائم عمَّا أحلَّ الله على بعض ما حرَّم، وقد أَعَدَّ مائدته له بعض فنَّانينا «العظماء»!
ـ وما فتئ ذلك النوع من الفنِّ الهزليِّ الهزيل يُلقي بكلِّ القيم الدِّينيَّة والنفسيَّة والعقليَّة والتربويَّة والاجتماعيَّة، وبمشاعر الناس ومبادئهم المرعيَّة، عُرض الحائط ، من أجل كسب مالٍ أو جماهيريَّةٍ غوغائيَّة، عبر أعمال لا إسراف في وصفها بأنها هابطة، شكلًا ومضمونًا، لا غاية لها ولا رسالة، إلَّا غاية الرِّبح ورسالة الاستفزاز.
ـ أ فهذا فنٌّ أم [ع]فن؟
ـ حقًّا، إنَّ أصحاب الفنون والآداب كثيرًا ما يخذلون المدافعين عنهم، في عالمنا العَرَبي خاصَّة، حين يُصِرُّون على إثبات أنهم بالفعل بلا مسؤوليَّة، وبلا حسٍّ إنسانيٍّ أو اجتماعيٍّ. إذ يتعرَّون على الملأ بضحالة ما يحملون من وعيٍ، وما يتمخَّضون عنه باسم الفن والأدب من سفاهة؛ كي يرَى كلُّ ذي عينَين، إنْ كانت وراءهما مسكة من عقل، أنَّ الأمر يختلف لدينا عن ذلك الصراع حول بعض الفنون في المجتمعات المتحضِّرة لأسباب فكريَّة جادَّة، فيشهد أنَّ ما لدينا لا يعدو في الغالب أمر فئتين: فئة متزمِّتة، تحرِّم كلَّ شيء، وأخرى تقابلها من صبيةٍ ومهرِّجين، يعيشون على تصفيق أمثالهم.
ـ وعليه، فإنَّ أجواءنا التي تعجُّ بالدعاوَى ينبغي أن تُمحَّص، وأن تقال كلمة الحقِّ فيها، ولو كَرِه الكارهون، بعيدًا عن المجاملات والخيانات لمسؤولية الكلمة.
ـ ومن تلكم الدعاوَى، التي يتعلَّق بها مَن يستخدم شعارات حقٍّ للدفاع عن باطل: شِعار «كشف المسكوت عنه». إذ لا ريب أن «كشف المسكوت عنه»
بالطرق المسؤولة الصحيحة فيه تهذيب وإصلاح، والنقد الاجتماعي: تهذيبٌ وإصلاح، وتوعية الناس عن طريق الفنون- ومرَّة أخرى بوسائط فنيَّة لا وَعْظِيَّة- تهذيبٌ وإصلاح كذلك. والثقافات كلُّها، والفنون والحضارات، إنَّما هدفها تهذيب الناس وإصلاح حياتهم، وتعزيز الحقِّ والخير والجمال في النفوس. والخلط في هذه المبادئ والمفاهيم لا يتأتَّى إلَّا عن جهلٍ وضيق عَطَن، أو عن مرضٍ نفسيٍّ، يدفع صاحبه إلى مراوغاتٍ متعمَّدة، ليُقنع نفسه قبل غيره أنَّه على جادَّة الحق، فيذهب إلى تبرير الانحرافات الأخلاقيَّة التي تُعُجُّ بها الأعمال الأدبيَّة- ولاسيما الروائيَّة- على أنَّها إبداع، وفن، وثقافة، وحُرِّيَّة، وكشف مسكوت عنه... إلى آخر هذا الهذر التسويقي.
ـ قرأتُ مرَّةً اعتراضًا عليك من أحد «المبدعين الأمناء!»، جاء فيه: كيف تقول عن المبدعين إنهم مرضى نفسيون، ومنحرفون أخلاقيًّا، ومجرمون أدبيًّا! وترى أن ما يكتبه المبدع من خلال فضحه المسكوت عنه، ما هو إلَّا عدوان على المجتمع، يجب أن يُحاسَب مقترفه ويُعاقَب قانونيًّا، كأيِّ مرتكب جُنحةٍ تقع تحت طائلة القانون؟ اتق الله!
ـ أوَّلًا، هذا تحريفٌ للكَلِم من بعد مواضعه. وتلحظ التحريف هنا لا من خلال حذف الجزئية القائلة «إن الكُتَّاب بشر، ومنهم أنفسهم مرضَى...» فحسب، ولكن أيضًا بإضافة: «ويرَى أن ما يكتبه المبدع من خلال فضحه المسكوت عنه، ما هو إلَّا عدوان...»، فيما أصل القول هو: «أيُّ فنٍّ لا يسعى إلى التهذيب والإصلاح- بطريقته الفنيَّة لا بطريقة وَعْظِيَّة مباشرة- هو عدوان...». وهذا المثال- على انكشاف أحابيله الساذجة- يلفتك إلى عِيٍّ في «القراءة»، يعاني منه بعض من يدَّعون الأدب، إلى جانب عجزهم عن استيعاب المفاهيم. وهما معوِّقان يجعلان من المتعذِّر الحِوار مع ذهنيَّات كتلك، لا تفهم ما يُقال، أو ربما لا تريد أن تفهم. هذا إنْ أُحسِن الظَّنُّ بأصحابها عن أن تكون جدليَّاتهم محض مغالطات، وانتقائيَّات، تسوِّق ما تريد لما تريد، على طريقة «ولا تقربوا الصلاة»! وهنا تنتقل الأزمة بنا، كما يتَّضح من هذا المثل، من ساحة الأدب- من حيث هو أدب- إلى ساحتَين جذريَّتين في البناء الثقافي العامِّ في عالمنا العربي: ساحة اللُّغة، ومَلكات التواصل، فهمًا وإفهامًا، وساحة الأمانة العِلميَّة في نسبة الأقوال إلى أصحابها، كما قيلت، لا كما نودُّ لو قيلت. مع النزاهة في مقاربة قولهم، بعيدًا عن «الشخصنة»، وإنْ اختلفنا معهم كلَّ الاختلاف! أمَّا من حيث علاقة الأدب والأدباء بعِلم النفس والاجتماع، فهو ما لا يُنكِره عاقل. بل إنَّ نظرية (سيجموند فرويد) في التحليل النفسي قد أقيمت على تحليل حالات الأدب والأدباء. وكان يقول: إنَّ الأديب (عصابيٌّ) يعالج نفسَه بأدبه، فلا يُصيبه ما يصيب غيره، ممَّن لا ينفِّسون عن عُقَدهم، أو حالاتهم، بوسائل تشفيهم ممَّا في نفوسهم. وهكذا كان الأدب مادَّةً أساسًا في عِلم النفس، وعِلم الاجتماع، والدراسات حول الأخلاق والقِيَم. وليس ذلك من فراغ!
**__**__**__**__**__**
* مرفأ:
ولَوْ أَنَّ الحِجابَ شَذَاهُ زَالا
لَما ازْدَدْنا بِطَلْعَتِهَا هِلالا
مُدَجَّجَةً صَبَاحًا مِنْ عَبِيْرٍ
يُبَدِّدُ في المَدَى لَيْلًا تَتَالَى
تُجَدِّدُ في الضُّلُوْعِ هُيَامَ صَبٍّ
قَدِيْمٍ في الهَوَى أَضْحَى مِثَالا
وتَحْتَ لِسَانِها لَيْلَى ولُبْنَى
بِغَيْمِ شَبَابِها ارْتَشَفَتْكَ آلا
ومَنْ يَكُ ذا فَمٍ مِنْ سَلْسَبِيْلٍ
يَذُقْ شَهْدًا بِه الدَّاءَ العُضَالا
ويُوْرِقُ غُصْنُهُ شَمْسًا وظِلًّا
ويُوْرِثُ في الوَرَى قِيْلًا وقَالا!
** **
(العضو السابق بمجلس الشورى - الأستاذ بجامعة الملِك سعود)