محمد العبدالوهاب
نحن على مسافة قريبة من انتهاء النسخة الخامسة من مبادرة الشريك الأدبي المنبثقة من هيئة الأدب والنشر والترجمة بوزارة الثقافة، شاهدنا من خلالها تجارب رائعة وثرية عبر منصاتها المتعددة في الديوانيات والصالونات والمقاهي الأدبية بمختلف مدن ومحافظات مملكتنا الأبية، حيث تجري الحوارات والنقاشات من خلال جلسات وندوات وفعاليات تثري الوعي، وتعمّق الفهم، وتفتح آفاقًا للمعرفة في الشعر والرواية والقصة، بطريقة جميلة ومبهرة، وعلى ساحات وردهات رحبة ومتاحة للطرح النقدي العميق، في بيئة جاذبة بدلاً من انعزالها في برج عاجي.
وبالنسبة لي، كمتابع ومشارك في بعض مناشطها الثقافية، فإن قراءتي للمشهد، من حيث التنوع والتجديد في المحتوى والرؤى والحوار، أظهرت مواهب وطنية واعدة بعطائها ومحتواها المبهج، حيث حلّقوا بنا بثقافة وعلم وتقنية عبر تلك الأمسيات المبهجة التي نقلتنا إلى مسافات حضارية من الفكر والمعرفة.
ولك... تبقّت مسألة أرفعها إلى هيئة الأدب والنشر والترجمة آملاً تحقيقها وتطبيقها على أرض الواقع، وهي من أهداف مبادرة الشريك الأدبي، والمتمثلة في تكوين فريق متمكن من الشباب السعودي لإدارة الفعاليات، وتأهيلهم على مهارات التنسيق، وإعداد المحاور، وتطوير الجوانب الإدارية والثقافية، بينما ما نشاهده في بعض المقاهي والصالونات الأدبية يخالف هذا الهدف.
ولربما يعود ذلك إلى كون بعض ملاكها تجاريين لا مثقفين، وبالتالي نجد أن العمالة التابعة لمنشآتهم هي من تستقبل ضيف الأمسية، وبطريقة أقرب إلى استقبال الزبائن، مما يفقد روح الثقافة وهجها وقيمها، وهو الهدف الأسمى الذي تسعى إليه وزارة الثقافة، مشكورة. والأدهى من ذلك أن من ينسّق ويعدّ المحاور ويسلّم الشهادات للضيف والمقدّم هم من إخواننا العرب الذين ربما لا يعرفون الكثير من أبجديات البروتوكولات وشخصيات المشهد الثقافي، مما يخرجنا من روح الثقافة السعودية بملامحها وهويتها وأبعادها الدلالية. وللأمانة، فهم لا يُلامون، باعتبار أن استقدامهم كان لوظائف أخرى.
كما آمل أن تكون هناك اتفاقية أو شراكة بين كليات الإعلام والعلاقات العامة في الجامعات وهيئة الأدب والنشر والترجمة، بحيث يكون التطبيق العملي وبرامج تطوير الخريجين الجدد لطلاب الإعلام والعلاقات العامة والاتصال عبر الأندية الأدبية والصالونات والمقاهي الثقافية، بهدف الربط بين المعرفة النظرية والواقع العملي، سواء من خلال تحرير الأخبار للصحف، أو اكتساب الخبرة في العلاقات العامة والاتصال، أو التدرّب على إعداد المحاور وتقديم اللقاءات، بما يهيئهم لبيئة عمل حقيقية، ويكسبهم مهارات مهنية فاعلة.
أخيرًا، أعود وأقول: كلنا ترقب وبشغف انطلاقة النسخة السادسة، لتكون امتدادًا لإثراء الفكر والمعرفة، بما يواكب تطلعات الرؤية العظيمة 2030.