عبدالعزيز بن سليمان الحسين
قبل اتساع شبكات النقل الحديثة وكثرة الرحلات الجوية، كانت سيارات الأجرة بين المدن، المعروفة شعبيًا بـ«الكدادة»، تمثل وسيلة السفر الأبرز لشرائح واسعة من الناس، خصوصًا خلال الثمانينيات والتسعينيات الهجرية؛ فقلة وسائل النقل آنذاك جعلت هذه الرحلات جزءًا من الحياة اليومية، وواحدة من أبرز صور التواصل الاجتماعي بين المدن والمناطق، وكان المسافر يقصد ما يعرف بـ«الاستيشن» أو مواقف سيارات الأجرة، التي تعج بالركاب خصوصًا في المواسم والإجازات، حتى ترتفع الأجرة مع شدة الزحام وكثرة الطلب، لا سيما بين #الرياض و مكة المكرمة، ومن أشهر تلك المواقع «استيشن الحجاز» «موقف الحجاز» في حي عتيقة بالرياض وعلى طريق الحجاز القديم، والذي بقي حاضرًا في ذاكرة أهل أول باعتباره محطة رئيسية لانطلاق المسافرين إلى مكة والطائف وغيرها، كما عرفت الرياض مواقف أخرى مثل البطحاء ومنفوحة والشميسي، وفي مكة اشتهرت مواقف جرول وكدي والمعلاة والمسفلة، بينما عرفت جدة مواقف باب مكة والكندرة والبلد، وفي المنطقة الشرقية برزت مواقف الدمام والخبر كمراكز معروفة لحركة السفر.
وارتبطت تلك المرحلة بسيارات أصبحت جزءًا من الذاكرة الشعبية، من أبرزها كابرس موديلات 1970 حتى 1977، وداتسون 180B المعروفة بـ«قعيّة»، وتويوتا ماركتو، إضافة إلى سيارات بيجو والصالون الكبيرة وسيارات الجي إم سي المستخدمة لنقل الركاب والأمتعة، ولم تكن الرحلة مجرد انتقال من مدينة إلى أخرى، بل تجربة اجتماعية متكاملة. فالسائقون اعتادوا التوقف في محطات الوقود والاستراحات الشعبية المنتشرة على الطرق، وكانت تنشأ بينهم وبين أصحاب المحطات والمطاعم علاقات ومعارف مستمرة، خصوصًا مع ما يعرف بـ«القهاوي» الشعبية التي تقدم الشاي والقهوة، وبعضها يقدم الشيشة للمسافرين، كما كان بعض السائقين يثبت «قربة الماء» في مقدمة السيارة معلقة على الصدام الأمامي ليشرب منها الركاب أثناء الطريق، ويحمل معه بعض مؤونة السفر من المكسرات والأطعمة الشعبية التي تتحمل مشقة الطريق مثل الفتيت والإقط والقرصان، وكانت الرحلات مليئة بالأحاديث والقصص وتبادل الحكايات، حتى إن بعض الصداقات والعلاقات الاجتماعية بدأت من مقعد سيارة في طريق طويل بين مدينتين، ورغم بساطة الحياة آنذاك، فقد كان احترام الركاب حاضرًا؛ إذ كان كثير من السائقين يمنعون التدخين داخل السيارة حرصًا على راحة الجميع، كما كان الركاب يشترطون على السائق قبل انطلاق الرحلة الالتزام بالهدوء وتجنب السرعة الزائدة، خاصة أن معظم الطرق في ذلك الوقت كانت ذات مسار واحد، ما جعل السفر يحتاج إلى صبر وخبرة وحذر، ورغم تغير الزمن وتطور وسائل النقل، بقيت «الكدادة» و«الاستيشن» جزءًا من ذاكرة المجتمع، ومرحلة تختزن الكثير من الحكايات الإنسانية والبساطة وروح الألفة التي صنعتها طرق السفر القديمة بين المدن السعودية.