أ.د. محمد بن عبدالعزيز العميريني
تُعد اللغة العربية واحدة من اللغات التي تمتلك قدرات عميقة في تشكيل هوية الإنسان، بل إنها تملك أدوات التعبير عن هوية عالية رفيعة، إذ اقترنت بكلام الله تعالى، وصارت دلالة إشاريةً على أمة ممتدة عبر التأريخ تدين بهوية عربية إسلامية، وإذا كانت اللغة العربية تملك قدرات التشكيل لهوية الناطقين بها، فإنه لا يمكن أن تكون مؤثرة، وفاعلة في هذا الامتلاك للأدوات الممثلة للهوية العربية والإسلامية إلا إذا تمثلها أصحابها في حياتهم واقعاً معيشاً، لا مجرد أنساق كتابية تحتفل بها دور الثقافة ومعاهد الطلاب، والجامعات ومؤسسات البحث العلمي، بل يجب أن تكون اللغة العربية جارية مجرى الواقع في حياة الناس وتداولاتهم اليومية، وأن تكون هذه اللغة متماسة مع الاحتياجات المستمرة لأفراد المجتمع، ومتعاطية مع التغيّرات الناشئة أو الطارئة في حياتهم.
ولطالما شغلت العلاقة بين اللغة والثقافة حيزاً مركزياً في الدراسات الإنسانية، ولا سيما في اللسانيات الاجتماعية والأنثروبولوجيا الثقافية ودراسات الخطاب، خاصة أن أي تحليل لغوي يقتصر على البنية دون السياق الثقافي يظل تحليلاً ناقصاً، وساد لفترة طويلة تصورٌ اختزاليّ يرى اللغة مرآةً للثقافة أو وعاءً محايدًا لهوية جماعية سابقة على الاستعمال، غير أن التحولات المعرفية المعاصرة، خصوصًا مع صعود تحليل الخطاب، أفضت إلى إعادة مساءلة هذا التصور، والانتقال من فهمٍ جوهري للهوية اللغوية إلى فهمٍ تداوليّ، تُبنى فيه الهوية عبر الخطاب لا قبله.
والعلاقة بين اللغة والثقافة من أكثر القضايا حضوراً في الدراسات الإنسانية المعاصرة، إذ لم تعد اللغة تُفهم بوصفها أداة للتواصل فحسب، بل أضحت نظاماً معرفياً وثقافياً يسهم في تشكيل الوعي، وإنتاج التصورات، وبناء الهوية الفردية والجماعية، لذلك اتجهت الدراسات اللسانية الحديثة، ومفاهيم تحليل الخطاب، إلى إعادة النظر في طبيعة العلاقة بين اللغة والثقافة، متجاوزة التصورات التقليدية في هذا المجال.
وينطلق حديثي -هنا- من فرضية أن العلاقة بين اللغة والثقافة لم تعد تُفهم بوصفها علاقة تمثيل ثابت، بل علاقة إنتاج متبادل، تتجلَّى فيها اللغة بوصفها ممارسة ثقافية فاعلة، أما الخطاب فبوصفه فضاءً لتشكيل الهوية وإعادة تعريفها، وارتبطت اللغة -في التصورات التقليدية- ارتباطاً وثيقاً بالهوية الجماعية، فُعدت بذلك علامةً مميزة للأمة، ورمزاً للانتماء الثقافي والتاريخي، وبُني هذا التصور على افتراض أن لكل جماعة ثقافية هوية لغوية متجانسة ومستقرة، وأن اللغة تعكس نسق القيم والتصورات السائدة داخل تلك الجماعة، غير أن هذا الربط يغفل الطابع التعددي والمتغير للهوية، ويتجاهل التفاوتات الاجتماعية، والصراعات الرمزية، واختلاف أنماط الاستعمال اللغوي داخل الجماعة الواحدة، كما أنه يرسخ وهم التطابق بين اللغة والثقافة، ويؤدي إلى مقاربات معيارية تُقصي الهامشي والمغاير.
ومع تطور اللسانيات الاجتماعية والنظريات الثقافية، تراجع مفهوم الهوية بوصفها معطى ثابتاً، لصالح تصورٍ يرى الهوية عمليةً اجتماعية تُنجَز عبر التفاعل، فالهوية وفق هذا المنظور، لا تُختزل في الانتماء اللغوي أو القومي، بل تُبنى سياقياً من خلال الممارسة الخطابية، وتتشكَّل تبعاً لعلاقات القوة والتمثيل والاختلاف، ولذا لم تعد اللغة مجرد مؤشر على الهوية، بل غدت أداة لإنتاجها والتفاوض حولها، فاختيار المتكلم لصيغة لغوية معينة، أو لأسلوب خطابي دون آخر، هو فعل هوياتي، يعكس موقعه الاجتماعي، وموقفه الثقافي، وإستراتيجيته في تمثيل الذات والآخر.
وربما مثّل مفهوم الخطاب نقطة التحول الأساسية في إعادة توصيف العلاقة بين اللغة والثقافة، فالخطاب لا يُفهم -هنا- بوصفه نصاً لغوياً فحسب، بل ممارسة اجتماعية مشروطة بسياقها الثقافي والسياسي والتاريخي، ولذلك فإن اللغة تُدرَس داخل الخطاب بوصفها فعلاً ثقافياً منتجاً للمعنى، لا مجرد ناقل له، فالخطابات السائدة تسهم في ترسيخ تصورات معينة عن الهوية، واللغة، والانتماء، كما تُعيد إنتاج أنماط الهيمنة أو تقاومها، ولذا فإن الثقافة لا تسبق الخطاب على نحو مطلق، بل تتشكَّل من خلاله، في علاقة جدلية مع اللغة، وتقتضي إعادة توصيف العلاقة بين اللغة والثقافة تجاوز النموذج التمثيلي إلى نموذج تفاعلي-إنشائي، فبدل أن تُفهم اللغة بوصفها انعكاساً مباشراً للثقافة، تُفهم بوصفها مجالاً تتقاطع فيه أنساق ثقافية متعددة، وتُعاد فيه صياغة المعاني والهويات، وربما يُفضي هذا التصور إلى نتائج معرفية ومنهجية مهمة.
والواضح أن الانتقال من مفهوم الهوية إلى مفهوم الخطاب يمثِّل تحولاً نوعياً في فهم العلاقة بين اللغة والثقافة، فلم تعد اللغة وعاءً سلبياً للثقافة، وباتت الهوية تتشكل ضمن مفهوم الاستعمال والتفاعل الثقافي، بل أضحى الخطاب الفضاء الذي تتشكَّل فيه الهويات، وتُنتَج عبره المعاني الثقافية في تفاعل دائم ومفتوح، ويؤسس لرؤية إنسانية وحضارية ممتدة، بما يجعل العربية قادرة على أن تكون لغة معاصرة في الاقتصاد والمعرفة، والتقنية، والإبداع الفني، والأدبي، وكذلك قادرة على استيعاب التحولات الفكرية والثقافية المتسارعة، والإسهام في إنتاج المعرفة وتداولها ضمن سيق عالمي متفاعل، دون أن تفقد خصوصيتها الثقافية، وعمقها التاريخي.