عبدالله العولقي
يُعدّ القرن التاسع عشر الميلادي أزهى عصور الأدب الروسي على الإطلاق، ولا يكاد يُذكر ذلك العصر إلا ويُذكر معه أهمّ وأشهر كاتبين عبقريين قدّما للمكتبة الروسية والعالمية روائعهما الخالدة. لكنّ المفارقة هنا أنّ الكاتبين يختلفان جذريًا في التجربة الأدبية، ومن حيث النشأة والثقافة والتعليم والحياة الاجتماعية، وحتى في النهاية، غير أنّهما يتفقان في شيء واحد، وهو الإبداع الروائي.
لقد عاش الأديبان الكبيران في زمن واحد تقريبًا: فيودور دوستويفسكي (1821م - 1881م)، وليو تولستوي (1828م - 1910م)، ورغم ذلك لم يلتقيا على الإطلاق، وهذه من المفارقات العجيبة. وهذا هو الجانب الأول الذي سنلقي عليه الضوء في هذا المقال؛ فعلى الرغم من توافر عوامل الزمان والمكان والظروف المناسبة، فإنّ اللقاء التاريخي بين الأديبين الكبيرين لم يحدث.
ففي عام 1855م زار تولستوي مدينة سانت بطرسبرغ التي كان يقيم فيها دوستويفسكي، وبدأ بلقاء كبار الأدباء، مثل إيفان تورغينيف ونيكراسوف، وللأسف لم يكن دوستويفسكي في المدينة؛ لأنه كان يقضي سنوات نفيه في صحراء سيبيريا.
ويبدو، من خلال تتبع العلاقة بين الأديبين الكبيرين، أنّ كلاً منهما كان يُبدي إعجابه بالآخر. فبعد النجاح الساحق الذي حققته رواية الحرب والسلام، أعلن دوستويفسكي إعجابه الشديد بعبقرية تولستوي، وسعى للقاء صاحبها، لكنّ الظروف لم تكن مواتية حينها. وحين قرأ تولستوي بيت الموتى تأثر بها، ووصفها للناقد نيقولاي ستراخوف بأنها أفضل ما كُتب في الأدب الجديد، بل إنه ذهب بعيدًا في إعجابه حين فضّلها على جميع أعمال ألكسندر بوشكين.
وفي عام 1878م سنحت فرصة أخرى لعقد اللقاء التاريخي بين الأديبين الكبيرين، حين دعاهما الفيلسوف الروسي فلاديمير سولوفييف، لكنّ تولستوي غادر قاعة المحاضرة قبل وصول دوستويفسكي بعدة دقائق، ويرى بعض الباحثين أنّ الاثنين غادرا القاعة دون أن يشعر أحدهما بوجود الآخر.
أما الفرصة الأخيرة لهذا اللقاء، فقد كانت عام 1880م، قبل وفاة دوستويفسكي بعام واحد، إذ كان من المقرر أن يلتقي الكاتبان الكبيران في مناسبة وطنية أقامت فيها روسيا حفل تأبين جماهيري لشاعرها العظيم بوشكين. وقد دُعي إلى هذا الحفل كبار أدباء روسيا، ومنهم تولستوي ودوستويفسكي.
وعندما ألقى دوستويفسكي خطابه الشهير، ضجّ الميدان كله بالتصفيق الحار، وحين ختم خطابه قائلاً:
“لقد مات بوشكين في أوج قوته وعطائه، وحمل معه إلى القبر سرًا كبيرًا، وها نحن الآن مدعوون لأن نفهم هذا السر بدونه”.
في هذه اللحظة العاطفية هجمت الجماهير على دوستويفسكي للسلام عليه وتحيته، ثم حملوه على الأعناق، وساروا به في شوارع موسكو مختالين بأديبهم الكبير. لقد خطف دوستويفسكي الأضواء من جميع الموجودين، وطغى حضوره على كل أدباء روسيا الكبار، وحتى على بوشكين نفسه.
ولم يتغيب عن هذا الحضور إلا تولستوي، عظيم الأدب الروسي، وحسنًا ما فعل؛ فربما لو جاء لكان في موقف محرج أمام نجومية دوستويفسكي الطاغية في ذلك الوقت.
والجانب الآخر من المقال يتناول مفارقة النهاية المتباينة مع سيرة كلٍّ منهما؛ فقد كان من المعقول والمنطقي أن تنتهي حياة تولستوي، الثري الأرستقراطي، نهاية كلاسيكية هادئة على سريره، محاطًا بأبنائه وأسرته، بينما تكون نهاية دوستويفسكي، الفقير المريض المقامر، هاربًا من دائنيه، أو طريدًا من زوجته التي أرهقها بالفقر والقمار. لكنّ الذي حدث كان العكس تمامًا.
فعندما بلغ دوستويفسكي الستين من عمره، أُصيب بنزيف رئوي حاد، وقد أبلغه الأطباء أنّ نهايته قد حانت. حينها جمع أبناءه حوله، لتكتحل أعينهم برؤيته قبل رحيله. لقد كانت نهاية هذا البائس الفقير هادئة ورومانسية، حيث أحضرت عائلته رسامًا شهيرًا ليصوّر مشهد وفاته، وهو مستلقٍ على سريره، وحوله أبناؤه خاشعين لتلك اللحظات الصعبة.
وفي 9 فبراير عام 1881م ودّع دوستويفسكي دنياه، وفي يوم دفنه حضرت مدينة سانت بطرسبرغ بأسرها، وتوافد الناس من جميع المدن الروسية لحضور تشييع الكاتب الكبير، وامتلأ شارع نيفسكي بالجموع الغفيرة التي تجاوزت مئة ألف شخص، مما اضطر الأمن والشرطة إلى إغلاق بوابات المدينة لوقف تيار القادمين إلى الجنازة.
وقد كتب أحد النقاد حينها:
«يمكن القول بكل شجاعة إنه، قبل ذلك اليوم، لم تشهد روسيا على الإطلاق مثل هذه الجنازة».
لقد جاءوا تقديرًا لكاتبهم المفضل، فقد كانت وفاته بمثابة صدمة للمجتمع الروسي، خصوصًا أنّ السنوات الأخيرة من حياة دوستويفسكي شهدت روائع أعماله الخالدة، إذ جاءت وفاته بعد أسابيع معدودة من انتهائه من رواية الأخوة كارامازوف. لقد مات الكاتب الكبير في شقة متواضعة في المنزل رقم خمسة، حيث يقع الآن المتحف الذي يحمل اسمه، ويقصده الزوار والسياح من جميع أنحاء العالم.
أما تولستوي، فلا تُذكر نهايته الأليمة دون الحديث عن حكاية الفراق الشهيرة التي وقعت بينه وبين زوجته وحب حياته، السيدة صوفيا تولستايا.
فعندما تجاوز تولستوي الثمانين، قرر الهرب منها ومن عالمها الضيق. ولم تدرك صوفيا جيدًا أنها زوجة لعبقرية عظيمة تثير اهتمام الصحافة والعالم. فعندما تحول بيتها الكبير إلى ما يشبه الفندق أو المزار، بدأت تضيق بشهرة زوجها، إذ أصبح المعجبون ورجال الصحافة والإعلام يحتشدون في منزلها، وهي عاجزة عن ضبط الأمور داخله.
لقد كان الزوار يتجولون بين أرجاء المنزل وكأنه متحف عام أو حديقة، دون مراعاة لخصوصية صوفيا وبناتها، وكان هذا المشهد يثير في هذه السيدة غريزة الأنثى، فتصرخ في وجوه هؤلاء الضيوف مطالبةً إياهم بمغادرة منزلها؛ فالأمور خرجت عن السيطرة، وينبغي أن تعود الأوضاع كما كانت من قبل.
لقد كانت هذه السيدة تنتمي إلى أعيان موسكو، وتدير شؤون بيتها وفق البروتوكول الأرستقراطي في تلك الحقبة، وها هو منزلها الآن قد تحول إلى ميدان عام للصحفيين والإعلاميين والأدباء.
ولم تكن مشكلة صوفيا مع النخبة المثقفة التي كانت تحيط بزوجها وتجري معه الحوارات المطولة، بل كانت معاناتها الحقيقية مع مجموعة المتسللين الذين كانوا يعبثون بأثاث المنزل ولا يراعون حرمته، ويتجولون في صالاته بكل وقاحة، وقد ضاقت سيدة البيت ذرعًا بأحد هؤلاء المتسللين حين تجرأ على فتح باب غرفة إحدى بناتها، فكانت صرختها مدوية في وجه الجميع، وأولهم زوجها تولستوي.
أما تولستوي، فقد رأى في تصرفات زوجته تدخلاً مباشرًا في شؤون حياته، ورأى في طردها لضيوفه إحراجًا لعبقريته التي بدأت أصداؤها تملأ الشرق والغرب. وقد قاده تفكيره العميق إلى الحزن والاكتئاب النفسي، لكنه حاول أن يكتم غيظه ويصبر، إلى أن وقعت حادثة جديدة أوجعت روحه كثيرًا، وجعلته يفقد توازنه النفسي، حين دخل إلى مكتبه فجأة، وضبط زوجته تفتش بين أوراقه.
كانت تلك أول مرة تتجرأ فيها زوجته على هذا السلوك، الذي اعتبره تولستوي شنيعًا وجائرًا بحقه. وفي تلك اللحظة الحاسمة، قرر الهرب، الهرب ولا شيء غير الهرب.
وفي إحدى الليالي القارسة البرودة، ارتدى ملابس الشتاء، ولفّ معطفه الطويل حول رقبته، وغطى رأسه بكوفية كبيرة حتى لا يعرفه أحد، ولم يأخذ معه سوى قلمه، وبعض الأوراق، ورواية الأخوة كارامازوف، ومشى إلى محطة القطار.
وعندما سأله الموظف: إلى أين؟
ردّ تولستوي: «إلى أبعد نقطة».
وبالفعل، سار القطار حتى وصل إلى أقصى محطة داخل الأراضي الروسية، إلى عمق صحراء سيبيريا المزدحمة بالثلوج، وهناك توقف القطار في محطة «أستابوفو»، حيث نزل تولستوي في تلك القرية المتواضعة، وهو في الثانية والثمانين من عمره.
لقد كان هربه أشبه بالفرار نحو المجهول، لكن صقيع البرد اللاذع أصاب رئتيه بالتهابات حادة، وهناك، على كرسي حديدي صلب، جلس الكاتب العظيم، وأخرج رواية «الأخوة كارامازوف»، وظل يقرأ فيها، فكانت آخر ما قرأه في حياته.
وفي تلك اللحظات العصيبة استسلم لأيامه الأخيرة. وقد عرفه الناس رغم كل محاولات التنكر، فانتشر خبره في الصحافة الروسية، وقدمت زوجته صوفيا، إلا أنه رفض استقبالها، كما رفض استقبال الصحفيين والمسؤولين، ولم يستقبل سوى الطبيب؛ فقد أراد أن يموت في هدوء وسلام، بعيدًا عن صخب الإعلام والصحافة، وبعيدًا عن تدخلات زوجته.
وهذا ما حدث بالفعل. أما زوجته، فقد عادت إلى قصرها المنيف، وهي مثقلة بالحسرة والألم من نهاية زوجها معها، وقد شنّت عليها أقلام الكتّاب هجاءات قاسية، واتهموها بأنها لم تُحسن التعامل مع عبقرية زوجها، حتى إن ابنتها الوحيدة ادعت في مذكراتها أنها السبب الرئيس في وفاة والدها.
وأمام كل تلك الاتهامات، استسلمت صوفيا لسياط الناس وألسنتهم اللاذعة، وحاولت في مذكراتها أن تجد لنفسها أعذارًا بوصفها سيدة بيت أرستقراطي، وزوجة مخلصة، وأمًا تسعى لاستقرار بيتها، وامرأة تحمل في غريزتها مشاعر الأنثى.
وبعد ثماني سنوات، لحقت صوفيا بزوجها، وغادرت الحياة وهي مثقلة بالحسرة من كلام الناس. وهكذا انتهت حياة زوجية بدأت بحب كلاسيكي مفعم بالمشاعر، وانتهت بمأساة التناقض والتنافر.