د. محمد بن عبدالله آل عمرو
تلقيت اتصالات من بعض الزملاء المعلمين على إثر مقالي السابق «قانون باركنسون وقدرة الطلاب على التركيز» الذي تضمن مقترحا بتقليص زمن الحصة الدراسية إلى ثلاثين دقيقة، مؤكدين على أن هذا الزمن لا يكفي لشرح الدرس، ولا لمناقشة الطلاب، ولا للتأكد من تحقق الفهم، خصوصًا في الفصول المكتظة التي يصل عدد طلابها أحيانًا إلى خمسة وأربعين طالبًا أو أكثر. وهذه الملاحظات في أصلها صحيحة؛ لأن المشكلة الحقيقية ليست في «الثلاثين دقيقة» وحدها، بل في البيئة الصفية التي تُستهلك فيها هذه الدقائق.
فالزمن التعليمي لا يُقاس بعدد الدقائق المجردة، وإنما بقدر الزمن الفعّال المنتج داخل الصف. وهنا يبرز ما يُعرف بـ«قانون باركنسون» الذي ينص على أن: «العمل يتمدد ليملأ الزمن المتاح له».
ومعناه التربوي أن الحصة الطويلة لا تعني بالضرورة تعلّمًا أفضل، بل قد تؤدي أحيانًا إلى التراخي، وكثرة الاستطراد، وتشتت الانتباه، خاصة لدى الأطفال والمراهقين الذين تشير الدراسات النفسية والتربوية إلى أن قدرتهم على التركيز المتواصل محدودة زمنيًا.
وقد بينت أبحاث في علم النفس التربوي أن متوسط التركيز العالي لدى طلاب التعليم العام يبدأ بالتراجع تدريجيًا بعد نحو 15–20 دقيقة، ما لم تُستخدم أساليب تفاعلية وتجديد مستمر للنشاط داخل الحصة. ولهذا تتجه كثير من الأنظمة التعليمية الحديثة إلى التعلم المكثف القصير، القائم على النشاط والتفاعل، بدل الاعتماد على الإلقاء الطويل الممتد. لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن تقليص زمن الحصة إلى ثلاثين دقيقة في فصل يضم 45 طالبًا قد يكون مرهقًا للمعلم وغير كافٍ لتحقيق أهداف الدرس؛ لأن جزءًا كبيرًا من زمن الحصة سيضيع في:
ضبط الصف، وتنظيم المشاركة، والإجابة عن الأسئلة الفردية، ومتابعة الفروق بين الطلاب.
ومن هنا فإن نجاح فكرة «الحصة القصيرة» مرتبط ارتباطًا مباشرًا بضبط عاملين أساسيين:
أولًا: الكثافة الصفية: إذ لا يمكن الحديث عن تعليم نشط وفعّال في صف مكتظ يتجاوز الأربعين طالبًا. فحتى أطول الحصص الزمنية ستتحول في هذه الحالة إلى مجرد محاولة لإدارة الحشود، لا لتعليم الأفراد.
والدول ذات الأداء التعليمي المرتفع لا تعتمد فقط على جودة المناهج، بل كذلك على تقليل الكثافة الصفية. ففي فنلندا مثلًا تتراوح كثافة الصف غالبًا بين 15 و20 طالبًا، وفي كثير من المدارس الأوروبية لا يُعد تجاوز 25 طالبًا أمرًا معتادًا في المراحل الأولى.
وعندما ينخفض عدد الطلاب داخل الفصل، تتحقق مزايا كبيرة، منها:
زيادة التفاعل، سرعة الانتقال بين الأنشطة، ارتفاع تركيز الطلاب، قدرة المعلم على التقويم السريع، تقليل الوقت المهدَر في الضبط والتنظيم.
وفي هذه البيئة تصبح الثلاثون دقيقة أكثر إنتاجية من حصة طويلة داخل فصل مكتظ.
ثانيا: تحسين بيئة الفصل والمساحة المخصصة لكل طالب: فنجاح الحصة القصيرة يرتبط كذلك بجودة البيئة الصفية، إذ تشير كثير من الأنظمة التعليمية إلى أهمية توفير مساحة مناسبة لكل طالب داخل الفصل، يبلغ متوسطها قرابة مترين مربعين. فالفصول المكتظة والضيقة تستهلك جزءًا كبيرًا من زمن الحصة في الضبط والتنظيم، وتضعف التركيز والتفاعل. أما الصف المنظم قليل الكثافة فيمنح المعلم قدرة أكبر على الحركة والمتابعة والتطبيق العملي. ولذلك فإن تحسين المساحة الصفية ليس جانبًا شكليًا، بل عنصر تربوي مؤثر في جودة التعلم واستثمار زمن الحصة بفاعلية.
ثالثا: نسبة الطلاب إلى المعلم: تشير الخبرات العالمية إلى أن تحسين نسبة الطلاب إلى المعلم يسهم في رفع جودة التعليم أكثر من مجرد زيادة زمن اليوم الدراسي.
فحين يكون المعلم مسؤولًا عن أعداد أقل: يستطيع التخطيط بصورة أفضل، ويتابع الفروق الفردية، ويستخدم أساليب التعلم النشط، ويمنح كل طالب قدرًا من الاهتمام.
ومن هنا يمكن القول إن الحصة ذات الثلاثين دقيقة ليست هدفًا مستقلًا، بل جزء من منظومة إصلاح أوسع تشمل: تقليل كثافة الفصول، وتحسين البيئة الصفية، وضبط نسبة الطلاب إلى المعلمين، وتطوير طرائق التدريس، وإعادة بناء المحتوى الدراسي بصورة أكثر تركيزًا وكفاءة.
فقد تكون ثلاثون دقيقة في صف منظم قليل العدد، يقوده معلم متمكن، أكثر أثرًا من خمسين دقيقة في فصل مكتظ يستهلك نصف زمنه في الضبط والتكرار.
إن التعليم الحديث لم يعد يقيس الجودة بطول الزمن، وإنما بعمق الأثر. والطالب لا يحتاج إلى البقاء مدة أطول داخل الصف بقدر حاجته إلى تعلم أكثر تركيزًا، وأعلى جودة، وأكثر احترامًا لقدراته الذهنية والنفسية.