فيصل بن عبد الله بن محمد آل سعود
الكشافة رسالة محبة وتعاون و(رُسل السلام) رسالتنا إلى العالمين، بزغت من أرض تقع بين الحرمين الشريفين، ودشنت بين مدينة الملك عبد الله الاقتصادية (KAEC) وجامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية. (KAUST) كان ذلك عام 2011م بعد أن وُجهت الدعوة من خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز -طيب الله ثراه- وحملناها لملك السويد الملك كارل جوستاف السادس عشر عندما استقبلنا ممثلين عن كشافة المملكة العربية السعودية في مقر إقامته الصيفي (Solliden Palace) أثناء مشاركتنا في الجمبوري عام 2010م بمدينة Kristianstad وكانت تلك من أشرف المهمات التي وفقني الله في أن أكون جزءاً منها في خدمة الرسالة الكشفية العالمية، ورسالتنا التي نبعت من بلاد الحرمين الشريفين دعوة للعالمين.
الكشافة ورسالتها التطوعية عشتها ومارستها صغيراً أيام الدراسة في معهد الأنجال؛ حيث كان المغفور له -بإذن الله- الملك سعود بن عبدالعزيز راعياً وداعماً ومشجعاً لممارستها والتمثل برسالتها. ويذكر في بدايات الحركة الكشفية أن المغفور له بإذن الله الملك عبدالعزيز استقبل حملة المحمل المصرية، وكان معهم شباب يرتدون الزي الكشفي، فاستفسر -يرحمه الله- قائلاً: هل هؤلاء عسكريون؟ يبدون صغاراً في السن. فأخبروه أنهم كشافة، فتساءل: وما الكشافة؟ فشرحوا له أنهم متطوعون لعمل الخير ويساهمون في الأعمال الإنسانية، فقال يرحمه الله: «نحن أولى بعمل الخير، فكانت تلك بداية العمل الكشفي في مملكتنا الحبيبة. كما كان الملك فهد -يرحمه الله رحمة واسعة- عندما كان وزيراً للمعارف أول من رعى وافتتح أول جمبوري في عام 1957م في منطقة مكة المكرمة.
مرت السنون وكانت بدايات اهتمامي بالحركة الكشفية عندما عُيّنت في وزارة التربية والتعليم. بدأت القصة في أول يوم لدوامي في الوزارة، حيث أخبروني أن دوامي في اليوم التالي سيكون خارج مدينة الرياض في (روضة نورة)، وأن ضيوفاً من الكشافة العالمية سيزورون المعسكر الكشفي الذي يعمل على الاهتمام بالبيئة وتنظيف الروضة من المخلفات، وأن علي مقابلتهم والاجتماع بهم هناك. كانت تلك رسالة صاغها القدر لتجمعني مع رسالة الكشافة والاهتمام بتطويرها ودعمها لتأخذ مكانتها في مجتمعنا السعودي. لم يكن المشوار سهلاً، لكنه كان ممتعاً ومثمراً اقتربت كثيراً من أبنائنا الكشافة، وحاولت تشجيعهم بمشاركتهم ودعمهم في معسكراتهم وحضور مناسباتهم واحتفالاتهم خصوصاً في معسكرات خدمة ضيوف الرحمن وعادت الصدف المقدرة برسالتها لتقودني لأول رحلة في مهمة رسمية خارجية كمسؤول في الوزارة، وكانت إلى الولايات المتحدة الأمريكية، لحضور الاجتماعات الكشفية ومقابلة ملك السويد كارل جوستاف السادس عشر الرئيس الفخري للصندوق الكشفي العالمي، وتقديم دعم المملكة العربية السعودية ممثلاً في هدية السلام التي كانت الموافقة عليها من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز عندما كان أميراً لمنطقة الرياض الذي ساهم في إطلاق النسخة الأساسية للمشروع في (هدية السلام) بمشاركة ملك السويد، وبمباركة ودعم سمو ولي العهد آنذاك الملك عبدالله - يرحمه الله بمبلغ ثلاثة ملايين دولار سنوياً.
وكانت فرصة للتعرف عن قرب عن الدور العالمي للكشافة، والتعرف على الأعضاء من مختلف دول العالم. كما كانت تجربة ثرية وبداية لرسم الخطوات المستقبلية لعلاقتنا ودورنا العالمي في مسيرة الكشافة. وهنا كان التحول الجذري والبداية الحقيقية لعلاقاتنا وتأثيرها كجمعية الكشافة السعودية عالمياً، مع مولد مسمى برنامج (رُسل السلام) بدلا من مسمى (هدية السلام) بناء على مقولة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز - تغمده الله بواسع رحمته- عند اجتماعه بوفد الكشافة عام 2001م: أنتم رسل السلام الذي تطور على مدى خمسة عشر عاماً ليحقق ما يقارب ثلاثة مليارات ساعة عمل تطوعي في أنحاء العالم، ويؤكد دور المملكة العربية السعودية خصوصاً بعدما أمر سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بزيادة الدعم إلى خمسة ملايين دولار سنوياً لمدة عشر سنوات، كما كان لاهتمام ومساندة وزير التعليم يوسف البنيان بدعوة الدوق الأكبر غيوم الخامس دوق لكسمبورج لتوقيع الاتفاقية قبل عدة أشهر أثر كبير حيث كانت زيارة موفقة تعرف خلالها على الكثير وحمل انطباعاً إيجابياً لمسناه أثناء لقائه والحديث معه.
وفي هذه الأيام انعقد في السويد اللقاء الثامن والسبعين لزمالة وأصدقاء بادن بأول، بالإضافة إلى اجتماع مجلس إدارة الصندوق الكشفي العالمي برئاسة الرئيس الفخري ملك السويد الملك كارل جوستاف السادس عشر الذي تنحى بعد خدمة امتدت خمسين عاماً للصندوق والكشافة. وذلك بحضور صاحب السمو الملكي الأمير غيوم الخامس دوق لوكسمبورج الرئيس الفخري المرشح للصندوق، كما اعتمد ترشيح عضو مجلس الإدارة صاحبة السمو الأميرة سما بنت فيصل آل سعود لمنصب نائب الرئيس تتويجاً لجهودها في خدمة الكشافة وتميزها في تطوير وتفعيل فتيات الكشافة.
وما جعلني أكتب هذا المقال. هو الحديث عن دور المرأة الابنة والأخت والأم في الحركة الكشفية السعودية؛ فقد كانت هناك مشاركات نسائية في الماضي، ومن أبرزها دور مدرسة دار الحنان) ودعم حرم الملك فيصل -يرحمهم الله- الأميرة عفت. كما كان لي شرف المساهمة في التشجيع والدعم عندما أخذت الأخت مها فتيحي على عاتقها استثمار وقتها وجهدها ومالها في تطوير ودعم دور المرأة في الحركة الكشفية. وهنا أتذكر ما أسميه: تدشين عرفات عندما دشنت ممثلاً لوزارة التعليم والكشافة السعودية، وكانت أول مساهمة للمرأة في موسم الحج رسمياً إلى جانب زميلها الكشاف. وكان ذلك في يوم عرفة. أفضل الأيام فضلا من الله تولت فيه المرأة دوراً إيجابياً يسهم بعملها التطوعي في خدمة ضيوف الرحمن.
وأعود مرة أخرى للوقوف على مكانة المرأة ودورها، فللمرة الأولى تنتخب فتاة سعودية في ثاني أهم منصب في الحركة الكشفية العالمية، أسأل الله أن يوفقها. وأن نرى حراكاً أوسع للمرأة، الأم والمربية والأساس في التنمية العائلية والمجتمعية لتسهم في تبني مركز لتنمية الأجيال يدعم دور مملكتنا الكبير في العمل الإنساني والتطوعي، ويُبنى على ما تحمله وتقدمه رسالة (رُسل السلام) التي دشنت في بلاد الحرمين وبزغت شمسها في موقع إستراتيجي بين مكة المكرمة والمدينة المنورة.
ومن هنا وانطلاقا من دور الكشافة في العمل التطوعي والإنساني، ومما كرمنا الله به في خدمة ضيوف الرحمن. أرى أهمية إنشاء مركز للتدريب والتنمية والتربية تقوم عليه الأم على نمط المركز الكشفي كاندل ستيق (Kandersteg) الذي أسسه بادن باول في سويسرا.
وأختم هذا المقال، وفي هذه الأيام الفضيلة بالدعاء لبلادنا بدعوة أبينا وسيدنا إبراهيم عليه السلام للبلد الحرام مكة المكرمة: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ} فنحن نعيش في عالم متضارب الأهداف والرغبات والمصالح، فلتكن مصلحتنا مبنية على استثمارنا في الإنسان، فعادة ما يبنى الاستثمار على الميزة النسبية، ونحن بحمد الله - لدينا تكريم فريد خصنا الله به ألا وهو الأماكن المقدسة التي كانت منحة ربانية وهبنا الله إياها. فليكن من ثمارها استثمارنا من خلال رسالتنا للعالمين ممثلة في برنامج دشن في أرض الحرمين يحمل شعاره شباب العالم، وخصوصًا عمقنا الإسلامي، ندعوهم لتأكيد رسالتهم عبر التدريب في هذا المركز المقترح وتأهيلهم لمسؤولياتهم المبنية على الأهداف الإنسانية النبيلة التي تمثل لب رسالة الكشافة.
وفق الله قيادتنا الرشيدة وجزاها خير الجزاء بما تستثمره لوجهه تعالى في خدمة الإنسانية وخدمة ضيوف الرحمن. وأعان مسؤولينا على القيام بواجبهم الذي شرفوا بحمله، وطرح البركة في بناتنا وأبنائنا لخدمة رسالة دينهم ووطنهم، إنه مجيب الدعاء.
وهنا منا جميعاً خالص الشكر للملك كارل جوستاف السادس عشر ملك السويد على رعايته، وما قدمه للكشافة العالمية خلال ترؤسه وإدارة دفة مسيرتها وإبحارها، مع تهنئتنا بعيد ميلاده الثمانين. كما نهنئ صاحب السمو الملكي الدوق الأكبر غيوم الخامس دوق لوكسمبورج على شغله هذا المنصب لإكمال المسيرة، راجين له التوفيق والسداد.
والله المعين والمستعان.